-فلو اعتبرنا مثلا الوظيفة التأثيرية –أو الإفهامية-التي تركز على المخاطب لرأينا في قوله:" مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً" الرغبة في إغاظة صاحبه فقط فيتحصل من الجملة مضمون إنشائي،وليس مضمونا خبريا ينظر في مطابقته أو عدم مطابقته للواقع ...
فصاحب الجنتين صال على صاحبه وجال بافتخاره بماله وولده، ومن المؤكد أن الفقير وجد عزاءه في تقرير حقيقة أن جنة صاحبه زائلة لا محالة في ما هو زائل .. فكان الرد استفزازيا ليس إلا: "مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً"هو يدرك أن كلامه مضمونا غير معقول لكنه شكلا ضربة مسددة لإثارة الحنق والغيظ عند صاحبه فلا يسعد بما تعزى به ...
وكم يحصل لنا مثل هذا الموقف حينما ننكر الضروريات والبديهيات إما إثارة لحفيظة المخاطب أو طلبا لإنهاء مناظرة لا نريد الاستمرار فيها ...
-ولو اعتبرنا الوظيفة التأثرية-أو الانفعالية-التي تركز على المتكلم لرأينا في قوله "مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً"تعبيرا عن الانتشاء بالمال والولد .. وكثيرا ما يصاحب تنامي الإحساس بالنشوة تصاعد الرغبة في المبالغة في الكلام:
فكم يقول المرء عندما يحل لغزا مثلا" أنا أذكى رجل في العالم" أو تقول المرأة أمام المرآة وقد ارتاحت إلى بشرتها " أنا أجمل نساء العالمين" فلا الرجل يعتقد حقيقة أنه الأذكى ولا المرأة تظن في قرارة نفسها أنها الأجمل .. لكنها النشوة!!
فصاحب الجنتين عندما استعرض ملكيته:جنتين ونهرا متفجرا وثمارا متنوعة وخدما وحشما لم يتمالك نفسه من الانسياق مع الإحساس الجميل فقال ما قال .... وبعبارات الألوسي: ("وكأن حب الدنيا والعجب بها غشي على عقله فقال ذلك وإلا فهو مما لا يقوله عاقل وهو مما لا يرتضيه فاضل")
{وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً} الكهف36
بموجب ما افترضناه من احتباك في الحوار، فإنه بوسعنا استحضار الخطاب الغائب اعتمادا فقط على القول الحاضر ... فالاحتمال كبير في أن الرجل الفقير قد نصح صاحبه وعاتبه ووجه نظره-وصاحبه سادر في نشوته وغيه-إلى التفكير في حسرة ممكنة في الدنيا ومؤكدة في الأخرى:
فالحسرة الأولى قد تحصل من إبادة جنتيه كلتيهما فلا اعتداد ولا اعتماد.
وعلى تقدير سلامة الجنتين مؤقتا فالساعة قائمة لا محالة ..
وذكر الساعة -أو التذكير بها – هو لتحقيق معنى الحسرة المزدوجة:
-فهي من جهة تأكيد لإبادة الجنتين فالساعة هي نهاية الدنيا وخراب العالم بأسره ومن جملته الجنتان.
-وهي من الجهة الأخرى إرهاص ببدء الحسرة العظمى فليست الساعة إلا لحشر الناس وليس حشرهم إلا لحسابهم .. فلو كانت الساعة مجرد انهاء للكون لهان الأمر قطعا ... لكنها تنهي وتدشن في وقت واحد!.
وقد جار رد صاحب الجنتين وفق هذا الترتيب:
فقد رأينا رده الاستفزازي في مسألة مصير الجنتين، وهاهو الآن يتعرض للشق الثاني من التهديد فيبدأ بإنكار الساعة وليس مقصوده إلا إنكار اللازم وهو العذاب الآتي،ذلك لأن الرجل موقن بأنه سيموت ونهاية العالم بعد ذلك لا تضره في شيء إلا إذا أعقبه الحساب ...
وعلى الفرض الجدلي بوقوع الساعة فإن المحذور غير واقع: فليس عليه حساب بل سيجد هناك ما هو أفضل وأبقى من جنتيه الحاليتين!!! وقد أثبت هذا لمحاوره على وجه بياني شديد: إقسام وتوكيد.
ولنا أن نلاحظ الدلالة النفسية في قوله: لَأَجِدَنَّ ..
"وجد" تعني العثور على ما هو موجود من قبل ... فالرجل من غروره يرى أن ربه هيأ له مسبقا بديلا لجنتيه، فحاله في الأخرى أفضل من حاله في الدنيا تصريحا بقوله "خيرا"،وتلميحا لأن جنته في الدنيا" مجعولة "شيئا فشيئا في الزمان والمكان، أما جنته في الآخرة فهي جاهزة تنتظره!!
7 -
{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} الكهف37
تكتسي الجملة القرآنية مرونة مذهلة،أعني أن في تركيبها واختيار كلماتها دعوة للذهن للانتقال من مذهب إلى آخر .. فحيثما اتجه الفكر وغير من نهج التناول وجد الإشعاع الدلالي للجملة قائما ... فلتنظر مثلا في قوله:
" أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً"
لك أن تقرأها على قاعدة الحجاج.
¥