(ملحوظة: في آية آل عمران وقع ذكر البنين قبل المال لأن السياق ينص على الشهوة وليس النعمة لذلك جاء الترتيب فيها وفق قوة الشهوة {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} آل عمران14)
"أعز نفرا" جاءت في المرتبة المحفوظة للبنين لذا ذكر جل المفسرين أنها معادلة للبنين على سبيل التضمن كما في قولي ابن كثير والقرطبي ... أو على سبيل المطابقة كما في قول ابن عاشور:
-قال ابن كثير" {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا} أي: أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا.
-قال القرطبي: النفر: الرهط وهو ما دون العشرة. وأراد هاهنا الأتباع والخدم والولد.
-قال ابن عاشور: والنفَر: عَشيرة الرجل الذين ينفرون معه. وأراد بهم هنا ولده، كما دل عليه مقابلته في جواب صاحبه بقوله: {إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً} [الكهف: 40].
هذا، وقد عدل عن ذكر البنين إلى تعبير" أعز نفرا" لإكساب الخطاب طابعا تهديديا:"النفر "و"النفير" تنتمي إلى الحقل الدلالي الحربي .. فصاحب الجنتين لا يكتفي بإظهار نفسه في أبهة الغني بل هو قوي أيضا ذا سلطة ... فهو مالك للثمر وقادر على حماية ملكيته بما أوتي من ولد ينفرون معه .. وهو في حواره مع صاحبه يقوم بمعرض اقتصادي واستعراض عسكري معا. .!!
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ....
قال الزمخشري: (فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه ودخل ما هو جنته ماله جنة غيرها، يعني أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما).
قول الزمخشري" ما هو جنته"يفيد أن هنا جنة اعتبارية أي ما هو مقابل للجنة التي وعد الرحمن عباده، لكن قوله لم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما يأباه السياق لذا انتقده أبو حيان:
(ولا يتصور ما قال لأن قوله ودخل جنته إخبار من الله تعالى بدخول ذلك الكافر جنته فلا بد أن قصد في الإخبار أنه دخل إحدى جنتيه إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقت واحد)
ولو جمع الزمخشري بين المعنيين لكان أوفق،إذ لا مانع من أن يكون الرجل قد دخل جنته-إحدى جنتيه- فعلا،وتكون إضافة الجنة إليه إشارة إلى أن هذا هو نصيبه،ولا مطمع له وراء ذلك ..
على اعتبار أن الإنسان قد كتب له نصيبه من الجنة على كل حال لكن يعجل للكافر في الدنيا ويؤجل للمؤمن إلى الآخرة ..
استئناسا بمعنى قوله تعالى:
أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا
وبمعنى قوله صلى الله عليه وسلم:
الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.
وعلى هذا يكون استبعاد الشوكاني لهذا المعنى فيه نظر عندما تعقب الزمخشري بقوله:
(وما أبعد ما قاله صاحب الكشاف: أنه وحد الجنة للدلالة على أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون)
... وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسه
هذه الجملة الحالية تضمنت الإشارة إلى مفارقتين:
1 - مفارقة في التقييم.
2 - ومفارقة في السلوك.
-المفارقة الأولى مبنية على التعارض الكبير بين التقييم الظاهري والتقييم الحقيقي ..
فالرجل يعتقد أنه أثبت ذاته، وأكدها بالمال والنفر، وحصنها بالأسباب المادية: فنفسه- على ظنه- في زكاة ونمو،وقوته إلى زيادة واتساع، لكن التقييم الموضوعي المستند إلى استكناه حقيقي للأمر أخبر بشيء آخر: فالرجل لم يفعل أكثر من أنه ظلم نفسه وأوبقها، فالكسب في اعتبارالرجل هو الخسارة عينها، والزيادة في تقديره هي النقصان نفسه ..
واختلاف التقييمين مرده إلى اختلاف الاعتبار: فبينا يقوم التقييم الظاهري على ملحظ الحال،ينهض التقييم الموضوعي على ملحظ المآل ... وقد جاءت في السياق الموسع قصة العبدين الصالحين موسى والخضر -عليهما السلام -لتؤكد بالأمثلة المحسوسة هذا المعنى.
-أما المفارقة الثانية فتلحظ من خلال المقارنة بين "سلوك"الجنتين وسلوك صاحبهما:
فالجنتان "َلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً."
وصاحبهما" ظالم لنفسه."
واستعمال مادة "ظلم"لوصف الطرفين، هو الذي أوحى بعقد المقارنة بين المالك والممتلك:
¥