ـ[الاثري البهجاتي]ــــــــ[04 - 09 - 2009, 06:00 ص]ـ
حياكم الله أخي ابا عبد المعز
واصل وصلك الله بحبل طاعته
جزاكم الله خيرًا كثير
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[17 - 09 - 2009, 08:55 م]ـ
31 - لمحة في قوله تعالى: فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ.
من قوله:
{وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} لقمان32
هذه الجملة من عجيب القرآن فقد جمعت أوسع معنى في أقل لفظ:
فهي من جهة المعنى قد استغرقت جميع طبقات الناس، وصنفت مختلف درجات الأعمال .. وعبرت عن كل ذلك بلفظ واحد! وهنا وجه العجبـ، إذ كيف يتأتى للكلمة الواحدة أن تدل- في استعمال واحد - على تصنيف فيه اختلاف وتضاد بين الطبقات والأقسام؟
الآية استثمرت دلالة الاقتضاء إلى أقصى الحدود .. فذكر "مقتصد" يقتضي وجود صنفين آخرين:"مفْرط" ومفَرّط" .. لأنه لا يعقل معنى الاقتصاد إلا بتعقل معنى تجاوز الحد،وهذا التجاوز يكون من جهتين كما هو معلوم .. فيكون ذكر طبقة في قوة ذكر ثلاث طبقات.
بل في العبارة أمر آخر:
فالاقتصاد يحتمل معنيين، فقد يعني التوسط والاعتدال ... وقد يعني الاستقامة على الحق ..
فعلى الأول يكون التصنيف كما وضحته آية فاطر:
{فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32]
فالتصنيف هنا عام لكل الناس، ومرتبة الاقتصاد تعنى خلط الصالح بالسيء .. فيكون فوقها السابقون بالخيرات وتحتها الظالمون ..
وعلى الثاني تكون مرتبة الاقتصاد هي المرتبة المثلى -على قاعدة "خير الأمور أوساطها- بين غلوين: غلو في الإفراط، وغلو في التفريط .. كما في تصنيف آية الفاتحة:
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)
التعبير إذن مستعرض لطبقات الناس وهي ثلاث: الفجار، والأبرار، والذين خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ...
ومستعرض لمراتب الأعمال وهي ثلاث: عمل فيه إفراط، وعمل فيه تفريط،وعمل سوي على الصراط المستقيم.
كل ذلك من بركات كلمة واحدة!!!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[19 - 09 - 2009, 05:27 ص]ـ
32 - لمحة في قوله تعالى:
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ {8} اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ {9} قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ {10}
جو التآمر هنا قريب جدا مما يقع في محكمات العصر:
-تلاوة صك الاتهام:
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ.
-إصدار للحكم:
اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ.
-استئناف من أجل تخفيف الحكم:
قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ.
ونريد أن نقف قليلا عند صياغة التهمة لنكشف عن عمقها البلاغي والنفسي:
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ.
إن المقام يفترض تقديم المتهم وعرض التهمة .. فتكون الصياغة اللغوية الملائمة جملة اسمية مبتدؤها يوسف وخبرها جنحة أو جريمة مقترفة من قبله .. ويستحسن تأكيد هذه الجملة الإسمية حسما للظنون .. -كما سيقول الإخوة بعد هذا بزمن طويل في موقف آخر: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ-
وسواء أكانت اللام للابتداء أم جوابا لقسم محذوف فإن الوظيفة واحدة هي تأكيد مضمون التهمة فهي موازية ل"إن" في الصياغة الثانية .. غيرأن موضعي الابتداء والإخبار يتسمان بنوع من التعقيد في الصياغة الأولى على عكس الثانية المتسمة بالوضوح الشديد: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ.
فقد يقال مثلا:
-لماذا أقحموا أخا يوسف في قفص الاتهام واستثنوه من تنفيذ الحكم؟
¥