ملتقي اهل اللغه (صفحة 2847)

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ {1} وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ {2} وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ {3} وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ {4} وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ {5} وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ {6} وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ {7} وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ {8} بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ {9} وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ {10} وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ {11} وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ {12} وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ {13} عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ {14}

-وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ {5}

وقع اختيار الجبل لارتباطه في المخيال البشري بالثقل والخلود، ومن ثم يكون تحول الجبل إلى نقيض معناه مفارقة دلالية مثيرة للمتلقي:

- فالعرب تضرب به المثل في الثقل فتقول:

أثقل من ثهلان

أثقل من شمام

أثقل من نضاد

أثقل من عماية

أثقل من دمخِ الدماخِ

وهذه كلهاجبال وكل قوم يتمثلون بالجبل الذي يقرب منهم!

-وبهذا المعنى جرت النقائض، قال الفرزدق:

أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنا إذا ما نجهل

فادفع بكفك إن أردت بناءنا ... ثهلان ذا الهضبات، هل يتحلحل

ورد جرير:

إني إلى جبليْ تميمٍ معقلي ... ومحلُّ بيتيَ في اليفاعِ الأطولِ

أحلامنا تزنُ الجبالَ رزانةٌ ... ويفوقُ جاهلنا فعالَ الجهلِ

أما معنى الخلود فيظهر في مثل قولهم:

بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدناوالمصانع

وقولهم:

لن يبرح العز منهم أبداً حتى تزول الجبال من قرظه

-كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ {5}

العهن الصوف. والصوف مرتبط في الأذهان بمعنى الخفة، والصفة المقيدة (الْمَنفُوش) تأكيد للمعنى الإيحائي، قال في التاج:

النَّفْشُ: تَشْعِيثُ الشَّيْءِ بأَصَابِعِك حَتّى يَنْتَشِر، كالتَّنْفِيشِ، وقَالَ بَعْضُهُم: النَّفْشُ: تَفْرِيقُ مَا لاَ يَعْسُرُ تَفْرِيقُه، كالقُطْنِ والصُّوفِ، نَفَشَه فنَفَشَ، لازِمٌ مُتَعَدٍّ. وقَالَ أَئمَّةُ الاشْتِقَاقِ: وُضِعَ مادَّةُ النَّفْشِ للنَّشْرِ والانْتِشَارِ، نَقَلَهُ شَيْخُنَا. وقِيلَ: النَّفْشُ: مَدُّكَ الصّوفَ حتّى يَنْتَفِشَ بَعْضُهُ عن بَعْضٍ، وعِهْنٌ مَنْفُوشٌ.

والاتساق واضح بين "المبثوث" و"المنفوش" إذ يلتقيان معجميا عند معنى الانتشار ... وصرفيا عند صيغة اسم المفعول الدالة على ما لم يسم فاعله ..

وهذه الصيغة وأخواتها (صيغ البناء للمجهول وصيغ المطاوعة) هي المهيمنة اللغوية في وصف القرآن للقيامة وإرهاصاتها .. وقد مر بنا قريبا "زلزلت" و"انشقت" و"كورت" و"عطلت" و"زوجت" ... وغيرها كثير.

-وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ {5}

تحتمل "الواو"أن تكون للاعتراض الاستطرادي وظيفتها التشريك في الذكر، وتحتمل أن تكون للعطف المؤذن بالتشريك في الحكم ..

-مسوغ احتمال الاعتراض ناشيء عن كون الكلام قد سيق لسرد أحوال الناس فجاء وصف الجبال فاصلا القصة الواحدة إلى قسمين:

فقد ذكر الناس مجتمعين في الصفة والمكان أولا، ثم متفرقين في الصفة والمكان ثانيا. بمعنى أن الناس مروا من حالة الاختلاط واللا-تميز- المفهومة من التشبيه- إلى مرحلة الافتراق والتميز عند تشكل الفريقين الكبيرين.

فتكون دلالة الجملة الاعتراضية على هذا التأويل غير مقصودة في الحكم وإنما جاءت لتوكيد خلفية التهويل.

-اعتبار عطف أحوال الجبال على أحوال الناس تشريكا في الحكم-وهذا هو الأظهر-فيكون المقصود هو بيان أهوال القيامة على الصعيد الشمولي: الإنساني والطبيعي ....

وبناء على ذلك تكون السورة قد اختزلت تأريخ القيامة في لحظتين:

-لحظة الابتداء حين يخرج الناس من الأجداث كالفراش المبثوث في إطار عالم طللي.

-لحظة الانتهاء حين يستقر كل فريق في مأواه ...

وذكر الطرفين أغنى عن ذكر ما بينهما: فالطرف الأول موجه لتأكيد "البعث"-الحدث- والثاني موجه لتأكيد" الجزاء"-التقييم- ..

-فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ {6} فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ {7} وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ {8} فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ {9}

ثنائية الثقل والخفة التي قومت الوجود الطبيعي (الجبال/الصوف) تعود من جديد لتقوم الوجود الإنساني (من ثقلت موازينه/من خفت موازينه)

-فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ {9}

قال ابن كثير:

قيل: معناه: فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم. وعَبَّر عنه بأمه-يعني (2) دماغه-روي نحو هذا عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي صالح، وقتادة -قال قتادة: يهوي في النار على رأسه وكذا قال أبو صالح: يهوون في النار على رءوسهم.

تفسير الأم بهذا المعنى أفضل بكثير من التفسير الآخر الذي رواه ابن جرير:

-حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) قال: الهاوية: النار، هي أمُّه ومأواه التي يرجع إليها، ويأوي إليها، وقرأ: (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ).

-حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) وهو مثلها، وإنما جعل النار أمَّه، لأنها صارت مأواه، كما تؤوي المرأة ابنها، فجعلها إذ لم يكن له مأوى غيرها، بمنزلة أمّ له.

أقول:اختيار "الأم" بهذا المعنى لا يتسق مع معنى السورة وأجوائها: فكلمة الأم تصحبها عادة كوكبة من الدلالات الإيحائية من اللطافة والرقة والحنان والإطمئنان .. وفكرة العودة إلى الأم لا تنفصل في الوعي الإنساني عن الحنين إلى المأوى واللمسة الحانية والحضن الآمن ... فأنى أن تتصل هذه المعاني بمصير أعداء الله!! وأنى لجهنم أن تكون أما بالنظر إلى هذه الدلالات الإيحائية!!

وقول قتادة:

قال قتادة: يهوي في النار على رأسه ..

هو التفسير الأمثل حيث تُتخيل النار-أعاذنا الله منها-حفرة هاوية، يسقط فيها، مع إيحاء بالهلاك والرعب والظلمات ..

والله أعلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015