وقد يسأل أيضا:
-ما طبيعة التهمة الموجهة إلى يوسف وأخيه بالتحديد؟
1 -
نعتقد أن الإخوة لم يكن لهم غرض في أخ يوسف .. وإنما أدخلوه في الاتهام تحت باعث نفسي عميق .. يتمثل في تقوية موقع الاتهام إسكاتا لصوت الضمير ... وحثا على إصدار الحكم القاسي ... ذلك لأن المواجهة غير متكافئة من بعيد: فمن جهة يوجد عشرة أفراد كبار أقوياء ومن جهة يوجد غلام صغير منفرد .. وهذا وضع مقلق للضمير قد يثير الشكوك في عدالة المحاكمة خاصة وأن الإنسان بطبعه يتعاطف مع الجهة الضعيفة ..
فكان الاهتداء إلى إزالة شيء من ضعف يوسف، بعطف أخيه عليه، وفي الوقت ذاته يتأتى لهم تقوية التهمة بإضفاء سمة التكرار عليها .. فالجريمة ليست صدفة ولكن فيها إصرار " لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ".
2 -
لكن أية جريرة هذه؟
لو تأملنا التركيب اللغوي حيث مظنة الدلالة على الجريمة لن نجد أي فعل صادر عن يوسف أو أي وصف قائم به ... فعم يحاكم إذن؟
أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ.
إن يوسف في العبارة يقوم بوظيفة المفعول لا الفاعل .. وكونه محبوبا وصف قائم بغيره لا به .. فكيف يحاكم على صفة قائمة بغيره .. !
إن التركيب المنطقي ينبغي أن يكون:
"لأبونا يحب يوسف وأخاه أكثر منا ونحن عصبة .. "وهذا أيضا أحسن اتساقا مع التذييل: إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ.
لكن التركيب على هذا المنوال يجعل الأب هو المتهم لا يوسف فيكون الحكم بعد ذلك لغوا ... وعلى فرض صياغة الحكم على النحو التالي:
لأبونا يحب يوسف وأخاه أكثر منا ونحن عصبة ... اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا ..
فسيكون المقصود الأول بالعقاب هو يعقوب لا يوسف، وما قتل يوسف إلا آلة لتحقيق ذلك العقاب .. فكأن التقدير:"أبونا يحب يوسف أكثر منا فلنحرق قلبه بقتل ابنه"
لكن الإخوة لا يقصدون هذا-ظاهرا على الأقل-
فكان لا بد من إزاحة الأب من موقع المبتدأ-موقع الاتهام- وجعل يوسف مكانه .. فكأنه يكفي لثبوت الجريمة وضع الشخص في موضع الاتهام ... !!
فكون يوسف محبوبا من قبل أبيه ليس جريمته ولا حتى جريمة أبيه ...
فإن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْحُبَّ وَالْمَوَدَّةَ كَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ. (الترمذي)
صحيح إن قولهم:
إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ .. اتهام صريح لأبيهم ... لكن تقديم يوسف في موقع المبتدأ يجعل له دخلا في ذلك الضلال .. فكأنه سبب فيه .. ومن ثم يكون الحكم بإعدام يوسف إزالة لسبب ضلال يعقوب.!!!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[24 - 09 - 2009, 06:07 م]ـ
33 - لمحة في قوله تعالى:
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ {100}
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ {101}
من الراجح أن المشهدين منفصلين في الزمن، فدعاء يوسف الصديق –عليه السلام-ليس من تمام القول الذي قاله بعد أن خروا له سجدا .. وكيفما كانت الحال فههنا خطابان مختلفان أسلوبا ومقصدا، إخبارا وإنشاء،استعراضا لما قد استدبر وتطلعا لما سوف يأتي ..
لكن السر البلاغي يكمن في مجاورة المشهدين،إذ تؤسس هذه المجاورة معاني عميقة:
-فالمشهد الأول يرسم صورة هي أوج المصالحة مع الدنيا،في قصة كثر فيها الغم والحَزَن، فقد جاءت الدنيا، بعد كل ذلك، راغمة إلى النبي الحصيف:
1 - انقاد إليه الملك،
2 - تمت له السلطة،
3 - اجتمع لديه شمل العائلة،
4 - وتطهرت النفوس من الأحقاد والأضغان.
لكن العجب أن يوسف الصديق ينتشل نفسه،فجأة وبدون تمهيد، من كل أجواء" النهاية السعيدة"، وينخرط في دعاء لا تخفى رنة الحزن فيه:
تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
التطلع إلى الآخرة في أسعد لحظة مرت بحياة يوسف!!
ذلكم هو الدرس العقدي العظيم من هذا النبي الحصيف،الكريمَ ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم.
لقد مرت به أوقات حالكة في الجب والسجن لكنه لم يكن يرى هذا الدعاء مناسبا للأسر والسجن، فادخره لهذه اللحظة المشهودة .. فمثل هذه النفوس الكبيرة التى اجتباها الله لا تطلب الموت لأن الدنيا قد أدبرت عنها، بل تطلبه لأن الدنيا قد أقبلت إليها!!
¥