ملتقي اهل اللغه (صفحة 2846)

قال ابن عاشور:"الفَراش: فرخ الجَراد حين يخرُج من بيضه من الأرض يَركب بعضه بعضاً وهو ما في قوله تعالى: {يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر} [القمر: 7]. وقد يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات ويتساقط على النار ليْلاً وهو إطلاق آخر لا يناسب تفسيرُ لفظ الآية هنا به".

وادعاء ابن عاشور-رحمه الله- أن لا مناسبة فيه نظر، فكأنه غفل عن "نار حامية"التي هي آخر ما يقرع الأذن في السورة!

والمناسبة قوية جدا لأن من شأن الفراش التهافت على النار وهو نفسه ذكر هذا المعنى.

وارتباط الفراش بالنار كثير في كلامهم .. فالطبري في كلامه السابق جعل التساقط في النار من مقومات حد الفراش.

قال قتادة (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) هذا الفراش الذي رأيتم يتهافت في النار.

قال جرير:

إن الفرزدق ما علمت وقومه ... مثل الفراش غشين نار المصطلى

قال في الصحاح:

والفَراشَةُ: التي تطير وتهافتُ في السِراج. وفي المثل: أطْيَشُ من فراشَةٍ "

وذكر الألوسي أنه قيل:

هو طير رقيق يقصد النار ولا يزال يتقحم على المصباح ونحوه حتى يحترق.

وأحسن من كل هذا مارواه مسلم رحمه الله:

4235 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا قَالَ فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ هَلُمَّ عَنْ النَّارِ هَلُمَّ عَنْ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا. صحيح مسلم - (ج 11 / ص 399)

فتشبيه الناس بالفراش في سياق ذكر النار الحامية مناسب كما ترى ...

وقد جاء القرطبي رحمه الله بتفصيل بديع فميز الفراش عن الجراد ثم جمع بين التشبيهين: {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} [القمر: 7] و {كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} [القارعة: 4] فقال:

فأوّل حالهم كالفَراش لا وجه له، يَتَحيَّرُ في كل وجه، ثم يكونون كالجراد، لأن لها وجهاً تقصده"

وهي لمسة بلاغية دقيقة!!

وتوحيد الوجهة-في حركة الجراد- تفسرها الاستجابة للداعي الذي ذكر قبل التشبيه وبعده:

يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ {6}

مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ {8}

ويبقى التشبيه المجمل منفتحا على دلالات أخرى منها:

1 - الإيحاء بالحقارة والهوان.

2 - الحركة المضطربة على غير هدى ..

3 - التداخل والتراكب.

4 - الكثرة غير المتجانسة في الأشكال والألوان.

5 - وارتقاب التهافت على النار بعد حين.

-يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ {4} وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ {5}

اختزال لبعض أهوال القيامة من خلال صورتين:

صورة منتزعة من عالم الناس:"الناس كالفراش المبثوث"

وصورة منتزعة من عالم الطبيعة:"الجبال كالعهن المنفوش".

وتكون كل صورة -على اختزالها-نموذجا تمثيليا لما يقع في عالمها .. وهذا الأسلوب مطرد في وصف القيامة،فنجد الآيات تبين آثار شدتها وهولها في المحلين الطبيعي والإنساني، الجامد والحي، فمنه:

*زلزلة الارض/رعب الإنسان:

إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا {1} وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا {2} وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا {3}

*انشقاق السماء/كدح الإنسان:

إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ {1} وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ {2} وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ {3} وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ {4} وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ {5} يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ {6}

*انقلاب الكون/عمل الإنسان:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015