ملتقي اهل اللغه (صفحة 2844)

فالفرق بين "يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ" و"يعلم كل شيء" كالفرق بين" قُتل" و "قُطعت رأسه" مثلا .. فمعنى الموت مفهوم من التعبيرين إلا أن الثاني انفرد بقوة تصويرية لا توجد في الأول -أعني تتبع الخيال لمشهد انفصال الرأس عن الجسد وتتدحرجه بعيدا - فكان أبين وأبلغ ..

وهكذا يمضي التصور مع" مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ" إلى وجهتين:

-وجهة المكان: حيث تتصور المساحات الأمامية والمساحات الخلفية.

-وجهة الزمان:حيث يتصورما يغيب على صعيد المستقبل وما غاب على صعيد الماضي ..

ويبقى التعبير منفتحا على تصورات أخرى:

1 - ما مضى من الدنيا وما خلفهم من الآخرة. [مجاهد-السدي]

2 - ما مضى أمامهم من الدنيا وما يكون بعدهم من الدنيا والآخرة. [ابن جريج]

3 - ما هو ملاحظ لهم من المعلومات وما خفي عنهم أو ذهلوا عنه منها [ابن عاشور]

4 - ما هو واقع بعدهم وما وقع قبلهم [ابن عاشور]

5 - وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به؛ لأن ما بين اليد هو كل ما تقدّم الإنسان، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده؛ [ابن عطية]

4 -

"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ"

هذا المطلع منبه على مبدأ التوحيد وأنواعه:

فالمبدأ دل عليه أسلوب الحصر حيث انتفت المعبودات الباطلة كلها وثبت المعبود الحق .. وفي الأسماء السنية الثلاثة حصلت الدلالة على الأنواع:

فاسم"الله " علامة على توحيد الألوهية

واسم "الحي" علامة على توحيد الصفات

واسم" القيوم "علامة على توحيد الربوبية.

"الحي القيوم":

الترتيب في ذكر الصفتين بديع على أكثر من اعتبار:

فصفة الحياة لازمة، وصفة القيومية متعدية ..

صفة الحياة صفة ذات، والقيومية صفة فعل

الحياة كمال في الذات،والقيومية إكمال للغير ...

ولعل ملحظ الإحاطة بهذه المعاني في "الحي القيوم" هو ما جعل بعض السلف يرون في الحي القيوم اسم الله الأعظم .. والعبد-من جهة أخرى- إذا دعا ربه بهذا الاسم يكون قد جاء بأنواع التوحيد كلها مرة واحدة:

فتوحيد الألوهية في الفعل أي الدعاء نفسه.

وتوحيد الأسماء والربوبية في اعتقاد معاني الاسمين.

" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" ..

هذا المطلع- من جهة خطاب الحجاج- مؤلف من دعوى ودليلها

فكأن قائلا اعترض:ولماذا (أو بماذا) استحق الله وحده العبادة.

فالجواب: لأنه وحده الحي القيوم.

" الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ".

تعبير "لا تأخذه سنة ولا نوم"جاء لتأكيد للصفتين الثابتتين بسلب الضد ..

فالنوم هو أخو الموت كما هو معروف فنفيه تأكيد لصفة" الحياة"

والنوم من جهة أخرى سبات وانقطاع فنفيه تأكيد لاستمرارية القيومية .. وهكذا جاء السلب تأكيدا للثبات على قاعدة أهل السنة في أن السلب في الأسماء والصفات ليس عدميا محضا بل يتضمن دائما ثبوتا بوجه من الوجوه، لأن العدم المحض لا مدح فيه أو به ...

لماذا تقدمت السنة على النوم في الترتيب مع أن القياس يقتضي تقديم النوم على السنة؟

(انظر أول لمحة في هذه السلسلة)

" لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض "

ذكر لكمال الملكية بعد كمال الوجود، وقد وطأت صفة القيوم لذكر متعلقها .. كما تم التصريح الآن بتوحيد الربوبية بعد الإشارة إليه في صفة "القيوم "وأكدت -من جهة الحجاج -الدعوى الأولى: فالله وحده مستحق للعبادة لكمال صفاته وانفراده بالملكية.

"مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ" ...

أسلوب الحصر دال على التوحيد، والتنصيص على الشفاعة لأنها المفهوم الخطير الذي أفسد توحيد الأقوام:

{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} يونس18

فقد جعلوا الشفاعة علة للشرك ..

{قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} الزمر44

جمع الشفاعة لله هو التوحيد نفسه وتخصيص حصة منها لغير الله إدخال للشريك ووقوع في الشرك .. واقترانها بملكية السماء والأرض –كما في آية الكرسي- ربط للألوهية والربوبية.

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[28 - 07 - 2009, 10:19 م]ـ

29 - لمحة في قوله تعالى:

{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} الزخرف13

لماذا العدول عن" التحميد"إلى "التسبيح"!

الاستواء على الدابة مظهر من مظاهر تكريم بني آدم،وقد نصت الآية على أن ذلك نعمة تستوجب الشكر بقول اللسان " سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ"

ولكن أليس قول اللسان:"الحمد لله الذي سخر لنا هذا" هو ما يقتضيه المقام؟

أليس الحمد هو الأنسب في سياق ذكر النعمة؟

فما السر البياني في هذا العدول!

إن الإرشاد إلى التسبيح ينبه على معنى دقيق وعميق في الآية .. فليس القصد هو الإشارة إلى نعمة فقط، وإنما توجيه العقول إلى التفكير في "الوضع الوجودي" العام ...

وضع متصف بالتراتبية وتدرج في طبقية الكائنات .. فثمة طبقة أدنى وطبقة أعلى منها .. وطبقة مسخرة لطبقة ... وطبقة مفتقرة إلى أخرى ..

فهذه الدواب-مع أشياء أخرى غيرها- مسخرة لبني آدم،فلا بد من غائية في الوجود الإنساني .. وليست إلا عبادة الخالق ... فكان الأمر بالتسبيح تنبيها على تنزيه الرب عن الافتقارإلى خدمة خادم،وعن الاحتياج إلى عبادة عابد ... فكأن تقدير الآية:"هذه الدواب في خدمتكم ولكم فيها متاع وحاجة، فنزهوا الرب الغني عن العالمين"!

فهذه نكتة العدول إلى التسبيح.والله أعلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015