ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[16 - 07 - 2009, 08:41 م]ـ
26 - لمحة في قوله تعالى:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ {2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ {3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ {4}
1 - يتقدم في السورة الإثبات على النفي، وجاء الترتيب في شقيقتها" سورة الكافرون" على العكس حيث توالت فيها الجمل منفية إلى حدود الآية الخاتمة التي جاءت مثبتة " لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"،وجاء الترتيب في "آية العرش" وفق نظام من تناوب الإثبات والنفي ... ولاشك أن الدلالة على التوحيد وراء هذا الخيار الأسلوبي .. لأن معنى التوحيد لا ينفك عن النفي والإثبات مقترنين.
2 - وردت كلمة "أحد" في مطلع السورة وفي مقطعها .. ومن العلماء من يعتبر الثانية مباينة للأولى، بناء على أن "الهمزة "في الثانية أصلية، وفي الأولى متحولة عن "الواو" .. ولعل الحامل لهم على هذا القول هو ما لمسوه من فرق كبير في استعمال هذه الكلمة،ف"أحد "في الإثبات لا تطلق إلا على الله تعالى فيقال" الله أحد" ولا يقال "عندي درهم أحد" ولا "جاءني رجل أحد" (لا يصح في مثل هذا الموضع إلا" واحد") وفي النفي تطلق على أيّ كان ... فكأنهم رأوا شساعة المسافة بين الاقتصار على الدلالة على الأخص والدلالة على العموم فافترضوا للكلمة أصلين مختلفين ليدل كل أصل على معناه المختص به ...
"أحد" تطلق على الله تعالى وحده باعتبارها وصفا فقط، أما دلالتها على الذات فعامة حتى في غير النفي:
{وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك}
{أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا}
وللألوسي –رحمه الله- كلام جامع في استعمال" أحد" هذا نصه:
"والمستعمل في الإثبات على ثلاثة أوجه:
الأول أن يضم إلى العشرات نحو أحد عشر، وأحد وعشرون
والثاني أن يستعمل مضافاً أومضافاً إليه بمعنى الأول كما في قوله تعالى: {أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا} [يوسف: 41] وقولهم يوم الأحد أي يوم الأول.
والثالث أن يستعمل مطلقاً وصفاً وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى وهو وأن كان أصله واحداً إلا أن وحداً يستعمل في غيره سبحانه نحو قول النابغة
: كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد
انتهى.
3 - الصمد:الذي يُصْمَد إليه في الحاجات،
قال ابن الأنباري" لا خلاف بين أهل اللغة أنه السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم".
وقال الزمخشري: (" الصمد " فَعَل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج).
قال ابن عاشور:
(وصيغة {اللَّه الصمد} صيغة قصر بسبب تعريف المسند فتفيد قصر صفة الصمدية على الله تعالى، وهو قصر قلب لإِبطال ما تعوّده أهل الشرك في الجاهلية من دعائهم أصنامهم في حوائجهم والفزع إليها في نوائبهم حتى نَسُوا الله).
قلت: واللام تفيد الاستحقاق أيضا كما في اسم "الله" فهو مألوه وإن لم يعبده أحد .. وهو صمد وإن لم يوجد من يصمد إليه ... فهو مستحق للألوهية وللصمدية بقطع النظر عن وجود المتأله والصامد أوعدمهما.
وفي اعتبار ابن عاشور القصر من نوع "القلب" نظر ... فالأولى سلكه ضمن نوع "الإفراد" ... فأهل الشرك في الجاهلية لم ينسوا الله بل كانوا يفزعون إليه في الشدة وينسون ما يشركون:
{بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} الأنعام41
الآيات والأحاديث كثيرة جدا في هذا الباب ... وعليها بنينا اعتبار القصر إفرادا لا قلبا ..
وتوضيحه-للمبتدئين في هذا الفن-أن "قصر القلب "يفترض مشركين يعبدون شركاءهم ولا يعبدون الله،فالمطلوب منهم قلب العبادة،أي قلب الإثبات نفيا وقلب النفي إثباتا فيعبدون الله ولا يعبدون الشركاء ...
أما قصر" الإفراد " فيفترض مشركين يعبدون الله ويعبدون معه الشركاء فالمطلوب منهم إفراد واحد بالعبادة وهو الله تعالى.
4 - ترتيب الآيات الأربع في غاية الحسن.فالشق الأول مشتمل على الدعوى، والثاني على بيانها أو الحجاج عليها.
أ-فالدعوى متجهة إلى أمرين:
التوحيد العلمي في قوله:قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
التوحيد العملي في قوله: اللَّهُ الصَّمَدُ {2}
وهذا الترتيب يشير إلى أسبقية الأحدية على الصمدية،وهو كذلك في الاعتبار، لأن طلب الشيء فرع عن العلم به.
¥