ب-الحجاج على الأحدية جاء على فصلين:
-لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
-وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ
لأن انتفاء الأحدية يتصور على نحوين:
أن يوجد مماثل للإله من جنس واحد ..
أن يوجد مماثل له خارج الجنس.
الآية الثالثة "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" استدلت على انتفاء الكثرة في الجنس بنفي طرفين:
-"لم يلد" نفي ل"ذرية إلهية "مفترضة ... فثبتت الأحدية على اعتبار أن الخصائص الإلهية لا تنتقل عن طريق الوراثة إلى أولاد فلا مِثل له من هذه الجهة.
-"ولم يولد" نفي ل "أرومة" إلهية مفترضة .. فثبتت الأحدية على اعتبار أن الخصائص الإلهية غير مستمدة من أسلاف عن طريق التوريث ... فلا مثل له من هذه الجهة.
أما الفصل الثاني من الحجاج فهو مبني على افتراض انتفاء الأحدية بوجود مماثل لله من جنس آخر وهو ما نفته الآية الاخيرة:
-وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ..
فثبتت الأحدية على كل وجه،وفي كل عالم:
ففي عالم الخالقية:الله أحد لا والد له ولا ولد.
وفي عالم المخلوقية الله أحد لا كفء له ولا نظير.
5 - " لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" تقدم في الذكر نفي الوالدية على المولودية .. لعموم البلوى: فالأقوام قد شاع عندهم إثبات المذكور أولا،فاليهود زعمت أن "عزيرا" ابن الله، والنصارى زعمت أن" المسيح" ابن الله،ومشركو العرب زعموا أن الملائكة بنات الله ... فبدأت الآية بما يرد عليهم جميعا.
وفي الآية رد خاص على معتقد النصارى من كل وجه لأنهم يقولون بالوالدية والمولودية معا ..
-فإن كان الله عندهم هو ما يسمونه "الآب" وعيسى ولد له .. فالرد عليهم ب"لم يلد" لأن الله عندهم والد.
-وإن كان الله عندهم هو "عيسى" فالرد عليهم ب"لم يولد" لأن عيسى عندهم مولود.
-وإن كان الله عندهم هو الهيئة الاجتماعية للأقانيم الثلاثة فالرد عليهم ب"لم يولد" على اعتبار أن الألوهية الواحدة، عندهم، قد انبثقت من اتحاد الأشخاص الثلاثة (فهم يقولون في ضلالهم:باسم الآب والابن وروح القدس إلها واحدا.!)
والانبثاق نوع من التولد ... فهو مولود من الاجتماع.
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[21 - 07 - 2009, 11:59 م]ـ
27 - لمحة في قوله تعالى:
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ {1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ {2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {3} وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ {4} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {5} لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ {6}
الخطاب في هذه السورة متميز،فهو ليس سردا،ولا وصفا،ولا خطبة، ولا موعظة، وإنما هو" إعلان" .... ومدار هذا الإعلان على المفاصلة بين الكفر والإيمان.
ومن خصائص خطاب الإعلان –كما يدل عليه اسمه-إظهار نية المعلن بكل وضوح، فيكون تقرير البنود بمنتهى الدقة،حتى لا يبقى لمحتمل احتمال، أو لمؤول تأويل.
والسبيل البلاغي لتحقيق هذا المقصد البياني هو التكرير،على قاعدة" إذا تكرر تقرر":
مادة (ع-ب-د) ثمان مرات،
(لا) النافية أربع مرات،
(ما) أربع مرات.
الآية الثالثة تكررت برمتها في الخامسة ..
وقد ساعد قصر السورة على الشعور بهذا التكرار ...
ثم إن المعنى العام قد تكرر في السورة –على قصرها-مرتين:
- في تفصيل بأسلوب نفي:
لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ {2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {3} وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ {4} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {5}
-وفي فذلكة مجملة بأسلوب إثبات:
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ.
"قل"
لهذا الأمر دلالة صارمة، فبدونه يكون إعلان عن المفاصلة فحسب، لكن تسوير السورة ب"قل" يوجب ذلك الإعلان وينزع عن المأمور أي خيار آخر ... فكأن تحقيق المفاصلة بين الفريقين لا يكون بمجرد ثبوتها في الذهن وفي نفس الأمر، بل لا بد من جريانها على اللسان لفظا موجها إلى الكافرين مسموعا من قبلهم.
"يا أيها"
تركيبة حرفية مثلثة من أداتي نداء وحرف تنبيه ..
النداء بالأداتين إشارة إلى غاية المفاصلة، فكأن ما يفصل بين الفريقين هو مسافتان لا مسافة واحدة ....
التنبيه في النداء توطئة لتلقي الرسالة .. وهي رسالة ليس شيء في الكلام أوضح منها ... كررت فقررت!
"الكافرون"
تعيين بالصفة وليس بالفعل، فالكلام عن الذين أشربوا الكفر، وخالط أشلاءهم،فهو من مقومات ماهيتهم ...
"لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ"
المفاصلة مزدوجة: في المعبود، وفي العبادة معا. بناء على كون "ما" موصولية أو مصدرية ... فيكون معنى الآية على التقدير الأول " لا أعبد معبوداتكم " فأنا أعبد الله وحده وأنتم تعبدون معه الشركاء" وعلى التقدير الثاني "لا أعبد عبادتكم"فعبادتي توحيد خالص،على بصيرة، قائمة على العلم، وعبادتكم بدعية، يشوبها الرياء، قائمة على الهوى، حتى على فرض اتحادنا في المعبود:
{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} يوسف106
"وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ"
هنا زيادة في وجوه المفاصلة من حيث التنصيص على القطيعة مع التراث الشركي ..
"وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ"
المفاصلة في هذه الآية مشربة بمعنى التيئيس ... على اعتبار أنه يستحيل في المستقبل أن يلتقي الدينان أو يتقاربا .. وقد تكررت الآية لأهمية المستقبل باعتباره مجال المشاريع والافتراضات والأحلام ... فهي قاطعة لكل ذلك ومؤسسة لحقيقة لن تغيرها الأيام ..
فتكون السورة قد فاصلت في العبادة والمعبود في كل زمن:في الحاضر والماضي والمستقبل.
¥