إن التخفيف يمكن أن يتحقق بمسلكين مختلفين:
-مسلك تهوين المكلف به ...
-مسلك الرفع من همة المكلف ....
فمن المسلك الأول قولك –مثلا-:هذه الصخرة خفيفة يمكنك حملها ..
ومن المسلك الثاني قولك-مثلا-:أنت قوي جدا فكيف تعجزك هذه الصخرة ...
والمسلكان معا متحققان في آيات الصوم:
1 - (يا أيها .....)
اختار الله سبحانه الخطاب المباشر ليكلف عباده، ومن شأن هذه المباشرة الرفع من الهمة والتخفيف من مشقة التكليف .....
فلا شك أن المخاطبة والاسترسال فيها من وجوه الأنس والمودة .. والامتناع عنها أو الانصراف عنها من وجوه الزجرو التعنيف بل العقاب الشديد:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (سورة البقرة: 174)
(قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) (سورة المؤمنون: 108)
فأي خزي هذا أن لا يكلمهم الله ولا يكلمونه!!
2 - (... الذين آمنوا ..).
المسلك هنا من قبيل رفع الهمة ليبدو معه التكليف هينا، فالخطاب موجه للصفوة المجتباة وليس لسائرالعموم ... والإنسان بحكم تركيبته الفطرية يجد انتشاء في التميز، وفخرا في الانتماء إلى دائرة الصفوة الضيقة ......
(ولك أن تقدر تأثير المدرس على تلاميذه-ولله المثل الأعلى-عندما يقدم لهم تمرينا شاقا جدا قائلا: هذا التمرين فقط للنجباء منكم .... فتجد التلميذ يتحمل مشاق الواجب ويستصغره في سبيل أن يكون من زبدة النجباء).
فعلى هذا، يكون الاختصاص بالصوم أقرب إلى "سمة التميز" منه إلى عنت التكليف.
3 - (... كتب عليكم الصيام ...)
هذا التعبير معجز من جهة قيامه بحق التخفيف ....... فهو يحققها من ثلاثة وجوه:
-من جهة اختيار مادة "كتب" وتفضيلها على مواد أخرى مثل "فرض" و "وجب" ...
-من جهة اختيار أسلوب الخبر بدل أسلوب الإنشاء.
-من جهة بناء الفعل لما لم يسم فاعله.
أ-الكتابة فيها معنى القضاء والقدر ..... فكأن الآية أشربت الأمر الشرعي بمعنى الأمر التكويني ... وفيه إيحاء بالاعتذار والتودد .... فالأمر مكتوب قد فرغ منه منذ الأزل .....
وهذا المعنى لا يحققه "فرض"أو "وجب" ... لآن النفس قد تتطلع معها إلى رفع التكليف بخلاف "كتب" التي تفيد الانتهاء من المسألة ...
ب-واختيار الخبر يلائم هذا المقصد النفسي .... فقد أجل إنشاء الحكم إلى ما بعد، قياما بحق المقصدية التخفيفية حيث أفسح المجال للتوطئة والتقديم وإيثار ذكرالخبر عن الحكم قبل إنشائه بقوله (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (سورة البقرة: من الآية 185).
ج-والبناء لما لم يسم فاعله فيه نكتتان:
-الأولى ما ذكره ابن حيان في البحر:
"وبناء {كُتب} للمفعول في هذه المكتوبات الثلاثة، وحذف الفاعل للعلم به، إذ هو: الله تعالى، لأنها مشاق صعبة على المكلف، فناسب أن لا تنسب إلى الله تعالى، وإن كان الله تعالى هو الذي كتبها، وحين يكون المكتوب للمكلف فيه راحة واستبشار يبني الفعل للفاعل، كما قال تعالى:
(كتب ربكم على نفسه الرحمة)
(كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)
(أولئك كتب في قلوبهم الإيمان)
وهذا من لطيف علم البيان.
أما بناء الفعل للفاعل في قوله:
(وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)
فناسب لاستعصاء اليهود وكثرة مخالفاتهم لأنبيائهم بخلاف هذه الأمة المحمدية، ففرق بين الخطابين لافتراق المخاطبين،"انتهى.
-أما النكتة الثانية فمدارها على مقصدية التخفيف أيضا لأن إظهار الفاعل يوحي بالقهر والسلطة والإلزام (كتبت عليكم) ..... وهذا لا يتناسب مع السياق العام: سياق الرحمة والمودة.
4 - (... كما كتب على الذين من قبلكم ...)
المواساة هنا متحققة بالمساواة ... على القاعدة الشهيرة:"إذا عمت هانت".والإنسان بطبعه يستوحش ما لم يجرب من قبل ويستأنس بما درج الناس على فعله ...... فجاءت الآية لتقرر أن هذا التكليف قد وقع من قبل على آخرين .....
وفي هذا التقرير من جهة الحجاج إقناع بأمرين:
1 - الصوم تكليف مطاق، لا عنت فيه، فقد فعله السابقون.
2 - أنتم أولى بقبول تكليف الصوم منهم ... فلا يليق بكم أن تتخلفوا عنهم وأنتم خير أمة أخرجت للناس.
5 - (... لعلكم تتقون).
حذف المفعول به هنا بليغ جدا ..... لأن النفس تذهب في التقدير مذهبين:
- تتقون الأكل والشرب والجماع في وقت وجوب الصوم، كما قال السدي.
- سبب فرضية الصوم هو رجاء حصول التقوى لكم، فتدخلون في زمرة المتقين، لأن الصوم شعارهم، أو تجعلون بينكم وبين النار وقاية بترك المعاصي.
الاحتمال الأول وارد على القراءة الفقهية التكليفية حيث يكون المعنى هو تحديد معنى الصوم الشرعي.
أما الاحتمال الثاني فينضم إلى كوكبة الايحاءات النفسية التخفيفية ...... لآن نصب الغاية ورفعها من شأنها التخفيف عن النفس والتهوين من مشقة الوسيلة ..... على مبدأ "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل."
بهذا التشريف والحظوة والرفع من الروح المعنوية يتم المسلك الأول ويكون بعده الانتقال إلى المسلك الثاني (مسلك التهوين) لتتحقق مقصدية التخفيف بكل الأساليب.
6 - (أيامامعدودات ...)
النكرة للتحقير ....... ونحن نميل إلى القول بأن المقصود بالأيام المعدودات هو شهر رمضان نفسه ... وهو قول ابن أبي ليلى وجمهور المفسرين، ووصفها بقوله: معدودات، تسهيلاً على المكلف بأن هذه الأيام يحصرها العد ليست بالكثيرة التي تفوّت العد، ولهذا وقع الاستعمال بالمعدود كناية على القلائل، كقوله تعالى:
(في أيام معدودات)
وقوله:
(لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة)
وقوله:
(وشروه بثمن بخس دراهم معدودة)
-انظر البحر المحيط-
وتحقير" أياما" بالتنكير صاحبها الوصف بالتقليل، على ما تقرر من أن الجمع يدل على القلة، والإفراد يدل على الكثرة نسبيا. فيكون تعبير " أياما معدودات"أدل على القلة مما لوقيل" أياما معدودة" ....... فيكون التهوين كيفيا بالتنكير، وكميا بالجمع المؤنث ..... والله أعلم.
¥