5958 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَكَّةَ فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطِيَ وَادِيًا مَلْئًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ.
وهكذا نرى كيف صورت هذه الكلمة لوحدها طبائع الناس الداخلية (من الشراهة والطمع) وعلاقاتهم الخارجية (من التنافس والتحاسد) في آن واحد.
3 - زُرْتُمُ:
لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام" زُرْتُمُ"
قال ابن حيان:
"وسمع بعض الأعراب {حتى زرتم} فقال: بعث القوم للقيامة، ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم".
وقال بعد ذلك:
وقيل: هذا تأنيب على الإكثار من زيارة تكثراً بمن سلف وإشادة بذكره.
وإيراد القول الأخير أثار العجب عند بنت الشاطيء فقد كانت تفضل لو وقف أبو حيان عند" اللمحة الثاقبة لذلك الأعرابي الذي يجد حس لغته فطرة وسليقة بدل أن يمر بها سريعا كأنه لم يعنه منها شيء "
والحقيقة أن الوقوف على المعنى العقدي أظهر وأولى من الوقوف على الحكم الفقهي ..
فالكلمة إذن لها وجهان:
-وجه إخباري وصفي حمل معلومة عن سلوك هؤلاء.
-ووجه حجاجي حمل دعوى البعث والخروج من الأجداث.
فأي كلمة يمكن أن تقوم بالوظيفتين غير كلمة زرتم القرآنية!
4 - حتى:
لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام "حتى"
فهذا الحرف أنشأ توسعا دلاليا مذهلا:
1 - توسعا في زمن التكاثر.
2 - توسعا في المتكاثر به.
فعلى الأول يكون المعنى أن المخاطبين قد ألهاهم التكاثر طيلة حياتهم ولزمهم حتى ماتوا وزاروا القبور.
وعلى الثاني يكون المعنى أن المخاطبين وسعوا دائرة ما تكاثروا به حتى ذهبوا إلى المقابر لإحصاء الأموات منهم .. :
قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: نزلت في حَيَّيْن من قريش: بني عبد مَناف، وبني سَهْم، تعادُّوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام، فقال كل حيّ منهم نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عائذاً، فكَثَرَ بنو عبد مناف سهماً. ثم تكاثروا بالأموات، فَكَثَرَتْهُمْ سَهْم، فنزلت {أَلْهَاكُمُ التكاثر} بأحيائكم فلم ترضَوا {حتى زُرْتُمُ المقابر} مفتخرين بالأموات.
فتكون "حتى"أنشأت تنديدا بوصفين قبيحين عند هؤلاء:
-الغفلة بمقتضى المعنى الأول
-والسفاهة بمقتضى المعنى الثاني.
5 - المقابر:
لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام "المقابر"
فالمقابر جمع مقبرة،والمقبرة مجتمع القبور .. فتكون المقبرة جمعا لمجاميع ..
وهذا التوسيع يراد له أن يكون مقابلا للتكاثر الذي امتد في الزمان والمكان.
قالت بنت الشاطيء:
"واستعمالها هنا –أي المقابر-يقتضيه معنويا، أنه اللفظ الملائم للتكاثر، الدال على مصير ما يتكالب عليه المتكاثرون من متاع دنيوي فان .. هناك حيث مجتمع القبور ومحتشد الرمم ومساكن الموتى على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم ودرجاتهم وأزمنتهم".
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[14 - 07 - 2009, 02:23 م]ـ
25 - لمحة في قوله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أياما معدودات ..
جاء أسلوب الآية لفّا لخطابين:
1 - خطاب العزة ذي المقصدية التكليفية.
2 - خطاب الرحمة ذي المقصدية التخفيفية.
ننبه أولا أننا لا نقصد التخفيف الفقهي بل التخفيف البياني، والفرق أن الأول متعلق" بالحكم" وأعراضه من النسخ والترخيص والعفو وما إليها ... أما الثاني فيتعلق" بالعبارة عن الحكم" ومداره على تلقي الخطاب واستئناس النفس به، واستشعارها العزاء والمواساة،بفضل الدلالات الإيحائية النفسية المصاحبة للكلمات ..
بعبارة أخصر نحن نعتزم بيان الخفة في "أسلوب قول الحكم" وليس في" تشريع الحكم" نفسه ...
وإن كانت آيات الصيام قد اشتملت على التخفيفين معا.
(تخفيف التشريع ظاهر في أحكام صوم المريض والمسافر ومسألة مباشرة النساء وغيرها مما يؤخذ من مصنفات أحكام القرآن ...)
¥