ملتقي اهل اللغه (صفحة 2837)

البلاغة ليست شيئا غير المطابقة الصادقة والجميلة بين اللغة والواقع، وهو ما يعبر عنه بمطابقة المقال للحال على قاعدة "لكل مقام مقال" ...

ويلزم من هذا أن يكون البليغ على علم واسع ودقيق بثلاثة أمور:

-أن يعلم الواقعة بكل تفاصيلها ظاهرها وخفيها.

-أن يعلم الخيارات اللغوية التي تسنح بها اللغة فضلا عن الفروقات الدلالية بين الكلمات والتراكيب.

-أن ينزل الاختيار اللغوي على الواقعة بحيث تحصل المطابقة التامة فلا يكون في الجملة فائض دلالي لا يطابقه وجه من وجوه الواقعة أو يبقى من الواقعة مقتضى لم تراعه اللغة ...

فإذا اتفقت البلاغة في العبارة بحصول المطابقة التامة أمكن انتزاع الواقعة منها بكل تفاصيلها فكأننا نشتقها منها اشتقاقا ... فيكون حال سامع العبارة كحال مبصر الواقعة ...

الواقعة- لو أدركناها على حقيقتها قبل التعبير عنها – لتعين علينا أن نختار من الجمل المتاحة المتعددة واحدة بعينها هي الأوفى والأكثر انطباقا على تلك الواقعة ...

لكن من يستطيع أن يحيط علما بكل هذه الأمور الثلاثة غير رب العالمين؟

هذا هو إعجاز القرآن ..

القرآن يعطيك التعبير الوحيد- الممكن في اللغة- المطابق للواقعة .. سواء أكانت هذه الواقعة قصة ماضية أم حدثا نفسيا أم ظاهرة طبيعية أم غير ذلك ..

ولعل ابن عطية –رحمه الله-أفضل من أشار إلى هذا المعنى في نص من روائع النصوص المتكلمة عن إعجاز القرآن ..

قال:

"ووجه إعجازه: أن الله تعالى قد أحاط بكل شئ علما، وأحاط بالكلام كله علما، فعلم بإحاطته أي لفظه تصلح أن تلى الأولى، وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن محيطا قط، بهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة.

وبهذا النظر يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها إن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم صرفوا عن ذلك، وعجزوا عنه.

والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطى لآخر بعده فيأخذها بقريحة جامه فيبدل فيها وينقح، ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضيع للنظر والبدل، وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظه، ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد ".

ولا ريب أن الجملة الأخيرة في هذا النص من أجمل ما قيل عن إعجاز القرآن!!

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ1. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ.2

1 - ألهاكم:

لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام"ألهاكم" .. فلا الشغل ولا الاشتغال ولا الانهماك ولا اللعب ولا غيرها تفي بالمقصود ..

"ألهاكم" .. وحدها دلت على الإفراط والتفريط معا .. فالمتلبس باللهو حاصل منه دائما شيئان:

-إضاعة الوقت والجهد في ما هو باطل أو قليل العائدة.

-الغفلة عن واجب أو أمر أكثر فائدة ..

فيكون اللاهي مسؤولا عن أمرين:

الوقت المهدور، والواجب المتروك ..

وقد قيل إن اللعب للأطفال واللهو للراشدين .. فالطفل في لعبه ينهمك في ما هو باطل ولكنه أثناء لعبه لا يجب عليه شيء .. أما لعب الراشد فهو لهو لأنه اشترك مع الطفل في إضاعة الوقت والجهد لكنه انفرد عنه بأمر ذي بال وهو أنه مكلف –حين لعبه-بأمور جادة غفل عنها وفرط فيها ...

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ..

حملت إذن تبكيتا مزدوجا للكفار ..

2 - التكاثر:

لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام "التكاثر" بل إن هذه الكلمة كافية لتلخيص تاريخ البشرية كله!

فمن صيغة (تفاعل) انبثقت كل المعاني المتعلقة بالتنافس والتحاسد والتصارع والتسابق وإشعال فتائل الحروب .. وما قصة التسابق نحو التسلح عنا ببعيدة!

ولو ألقينا نظرة في تاريخ البشر لوجدناه يتلخص في هذه الكلمة، فما الحروب وما الصراعات وما الإنقلابات إلا تعبيرا عن هذه الرغبة الكامنة في النفوس:التكاثر.

ومن مادة الكلمة (ك-ث-ر) انبثقت كل المعاني المتعلقة بالمقتنيات والملكيات والطمع والاشتهاء .. كما بين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015