ملتقي اهل اللغه (صفحة 2836)

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[11 - 07 - 2009, 09:41 م]ـ

24 - لمحة في قوله تعالى:

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ {1} حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ {2} كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ {3} ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ {4} كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ {5} لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ {6} ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ {7} ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ {8}

سورة شديدة الوقع، تضافرت فيها العناصر اللغوية والخطابية لحبك هذه الشدة:

-أولا، الخطاب:

اختيار المواجهة بضمير المخاطب (أَلْهَاكُمُ/ زُرْتُمُ/ تَعْلَمُونَ ...) لتحقيق جملة من المقاصد منها:

1 - توسيع دائرة استغراق الأشخاص، فإن كل مستمع للخطاب مشمول في حكمه .. وليس الأمر كذلك في استعمال ضمير الغياب .. لأنه يُظهر أن "الآخرين" هم المقصودون بالحكم.

2 - استثمار كوكبة الإيحاءات المتولدة عن الخطاب المباشر من قبيل التقريع والتوبيخ والتبكيت .... وليس الأمر كذلك في استعمال ضمير الغياب، فعبارة (ألهاهم التكاثر) لا تمنح شيئا من هذه المعاني فعطاؤها منحصر في التقرير والإخبار ...

ولك أن تعتبر في هذا المقام بقوله تعالى:

عَبَسَ وَتَوَلَّى1 أَن جَاءهُ الْأَعْمَى2

فالمتلقي للخطاب –وهو الرسول صلى الله عليه وسلم-هو نفسه مرجع الضمير المرفوع في "عبس" و" تولى"، فيكون في الآية التفات- على مذهب السكاكي-فائدته التخفيف من حدة العتاب بواسطة تحاشي المواجهة به!!

وزمن المضي في" ألهاكم" و"زرتم" يجعل التوبيخ مشربا بمعنى الإدانة ... لأن التوبيخ قد يقصد منه التوجيه والإصلاح إذا كان هناك فرصة للإقلاع عن المذموم، كما هو الشأن في تربية الأولاد ..

والآية باستعمال الماضي وخاصة في "زرتم المقابر" تجعل الخطاب وكأنه وارد بعد انتهاء الحياة الدنيا وموجه للناس بعد أن قد تكاثروا وزاروا المقابر وبعثوا منها ... فلا يكون التوبيخ من وسائل التأديب بل من آلات التعذيب، تعذيب نفسي مذيق الناس مرارة الندم وحرقة حسرة الفوت ...

فمراد الآية بياني يتمثل في أن يستشعر المخاطبون هذا الإحساس .. وإلا فالتوبيخ في الآية حث على مراقبة النفس وإصلاح الحال .. فإن المخاطبين لم يموتوا بعد وباب التوبة مفتوح ..

-ثانيا، الزجر:

جاء الزجر بأداته" كلا" ثلاث مرات .. يلحظ معه التقلص التدريجي للمسافة الفاصلة بين زجر وآخر محققا بذلك تسارعا في الوتيرة:

فبعد خمس كلمات (أَلْهَاكُم- التَّكَاثُر-حَتَّى- زُرْتُمُ- الْمَقَابِر ...) جاء الزجر الأول.

وبعد ثلاث كلمات: (سَوْفَ- تَعْلَمُونَ- ثُمَّ ...) جاء الزجر الثاني.

وبعد كلمتين فقط: (سَوْفَ- تَعْلَمُونَ ...) جاء الزجر الثالث.

-ثالثا، التوكيد:

من بدائع هذه السورة أن جاء التوكيد فيها بكل أنو اعه المعروفة في لغة العرب:

توكيدا باللفظ، وبالمعنى وبالأسلوب ..

1 - التوكيد اللفظي:

كلا ستعلمون/ثم كلا ستعلمون.

لترون/لترونها.

2 - التوكيد المعنوي

أ-بالحرف:

-بالنون: لَتَرَوُنَّ. لَتُسْأَلُنَّ ..

-باللام:

لَتَرَوُنَّ. لَتُسْأَلُنَّ ..

ب-بالاسم:

عَيْنَ الْيَقِينِ.

3 - التوكيد بأسلوب القسم:

قوله {لَتَرَوُنَّ الجحيم}. جواب قسم مقدر.

رابعا، التصعيد:

نقصد بالتصعيد الرفع التدريجي من شأن المعنى المكرر كما وكيفا .. والأداة المحققة لهذا المقصد هي"ثم" العاطفة.

كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.

فالعلم الأول غير الثاني وقد دلت" ثم "على التراخي والتصعيد معا: فالعلمان متحققان في زمنين مختلفين مع اعتبار العلم في الزمن الثاني أقوى وأوضح منه في الأول.

وقريب من هذا ما قالته السورة عن رؤية الجحيم-أعاذنا الله منها-

لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ.

فالرؤية متحققة على مرحلتين مختلفتين،والعاطفة "ثم" صعدت من درجة الرؤية والإدراك:

فالرؤية الأولى تتعلق بإظهارجهنم وعرضها،والثانية تتعلق بالتلبس بها وذوقها ..

ولا يفوتنا أن نلحظ في الآية الرابعة

.. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ..

اجتماعا باهرا لكل المعاني التي ذكرناها من الزجر والتوكيد والتصعيد ..

الاختيار المعجمي:

قبل الاشتغال ببيان هذه الدقة المعجمية يجدر بنا أن نسطر بعض الكلمات عن تصورنا للإعجاز البلاغي للقرآن العظيم ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015