وللمعنى نفسه جاء تعدد أجزاء النهارواختلافها: فجر/ضحى/عصر ... في موازاة مع تعدد أنشطة الإنسان واختلافها في النهار .. بينما الليل لم يقع فيه تقسيم فجاء لفظا عاما واحدا ("الليل") لقلة نشاط الإنسان فيه،فهو سبات ونوم في الغالب، لا يحتاج معه إلى تمييز. ..
ويمكن أن نلاحظ في هذا السياق أن العناصر النهارية جاءت في القسم القرآني مجردة من كل قيد:والفجر ... والضحى ... والعصر ..
أما الليل فقد جاء مقيدا بوصف: والليل إذا يغشى ..
ولعل في التقييد بالظرفية وفعل المضارع تنبيها على الزمنية والحركية فالمقصود هو حلوله وانتشاره وليس السواد أو الظلام فقط. والله أعلم.
2.
إن وقت العصر مناسب بيانيا لموضوع السورة لذلك اختاره العليم الحكيم قسما في مطلعها، وهذا بعض بيان لبعض وجوه التناسب بين المقسم به والمقسم عليه:
لا ريب أن سورة العصر، على قصرها،شديدة الوقع على النفس: ففيها ثلاث لحظات دلالية تثير ثلاث لحظات شعورية:
اللحظة الأولى:
"إن الإنسان لفي خسر"
حكم بالخسران عبر عنه باستغراقات ثلاث:
-التوكيد بثلاث مؤكدات:القسم و"إن "و"اللام"
-الحكم على النوع الإنساني كله .. " الإنسان" هنا لا يراد به الماهية بل العموم المستغرق لكل أفراده بدلالة الاستثناء الذي سيأتي.
-التعبير ب "في خسر"لاستغراق كل الجهات .. فكأن الخسر ظرف والإنسان مظروف فيه،فحيثما توجه وجد الخسران ... هذه التقوية الكمية لمعنى الخسارة عضدتها تقوية أخرى – كيفية- بتنكير "خسر"فيؤول المعنى إلى: "خسر وأي خسر"!!
هذه اللحظة الدلالية يقابلها شعوريا إحساس بالانقباض وربما اليأس ..
فالحكم بالخسارة هو على كل الناس، وقاريء هذه السورة واحد من الناس، فهو مشمول في الحكم قطعا.
اللحظة الثانية:
" .... إلا الذين ... "
لحظة تنفيس .. وفتح لنافذة الأمل، فالخسارة ليست بإطلاق .. فقد آذن الإستثناء بتكسير طوق الخسران لإخراج أفراد من الناس من دائرة الخسارة المتأصلة إلى النجاة الطارئة!
يوازي هذه "اللحظة الاستثنائية" تنفس الإنسان الصعداء!! لسان حاله يقول:"الحمد لله هناك مبدئيا ناجون عسى أن أكون منهم .. "
اللحظة الثالثة:
.. الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
لحظة تقييد وإملاء الشروط ..
تضمنت صلة الموصول مواصفات الناجين وشروط الفوز .. وجاء العطف ب"الواو" وليس ب"أو" مما يعنى أن تلك الشروط على الجمع لا على التخيير .. فالناجي من الخسران هو المؤمن العامل الموصي بالحق والصبر .. يؤتى بذلك كله ولا يغني بعضه عن بعضه ... باختصار لا تكون النجاة إلا بإقامة الدين كله لأن تلك الصفات الأربع دلت على جهات الدين كلها. .. وقد انتبه الشافعي رحمه الله لهذا المعنى عندما قال: "لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم .. "
ولمعرفة غور قول الشافعي يستحسن الرجوع إلى التفسيرات المستفيضة لهذه السورة خاصة ما جرت به أقلام أئمة الدعوة رحمهم الله .. والمقام هنا لا يتسع لذلك.
هذه اللحظة يوازيها شعوريا الإحساس بالهم المصاحب للتشمير عن الساعد ..
فكأن السورة تقول:
"الخسارة عظمى،إلا أن النجاة ممكنة، لكنها بشروط."
فجمعت الإثبات والاستثناء والاستدراك ...
السورة يغلب عليها إذن طابع الإنذار ..
صحيح لقد فتحت بابا للأمل لكن ليس على مصراعيه فلا بد من اختبار ... ومن محاسبة.
ولا شك أن وقت العصر هو الملائم لهذه المعاني:
-فهو بداية النهاية .. فالشمس التي كانت تتوسط السماء في كامل قوتها هي الآن تضعف وتتجه في مسارها إلى مغيبها في نهاية الأفق ...
ويبدأ الإنسان عندئذ في التفكير في الرواح ... يصفي ما تبقى من تجارته أو يستجمع إبله وغنمه فلا يفكر ابتداء من اللحظة إلا في طريق العودة .. فلا يكون عنده –مثلا-هاجس الربح في التجارة فبعد العصر قد يبيع ما عنده بأقل من ثمنه ... لأن همه ليس في درهم يستزيده بل في طريق لا بد أن يقطعها في سباق مع الزمن .. فتهديد الليل أكبر بكثير من حصول الدرهم أو الدينار ... فمن الحصافة أن يتنازل عن وعد الغنم لوعيد الغرم!!
طريفة:
من الطرائف المناسبة للمقام ما تزعمه العامة في المغرب من أن "السلاويين"-وهم سكان مدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط لا يفصلهما غير مجرى نهر أبي رقراق- يعتريهم الجنون عند كل عصر، ولما سألت أحد السلاويين عن منشإ هذا الزعم قال إن مدينة "سلا "ذات أسوار وأبواب،وأن الأبواب كانت تغلق جميعا مع غروب الشمس فلا تفتح إلا في الصباح،فمن سدت دونه قضي عليه بالمكوث خارجا .. فكان السلاويون أصحاب الحرف والتجارة المنتشرون خارج سلا- في الرباط خاصة - يتخلون عن هدوئهم بعد العصر فينتابهم هاجس الأبواب التي ستغلق فربما أظهروا شيئا من العصبية، والقلق،وتسارع في وتيرة الحركات في جمع متاعهم وغيره .. فقال عنهم الرباطيون "إن السلاويين يحمقون مع العصر"!!
قلت:حالة السلاويين هذه ينبغي أن تكون حالة كل مكلف في هذه الدنيا .. فالتوجس خير من الغفلة على كل حال.
¥