ملتقي اهل اللغه (صفحة 2834)

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[05 - 07 - 2009, 05:39 ص]ـ

21 - لمحة في قوله تعالى:

لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ {16} إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ {17} فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ {18} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ {19}

وقوع هذه الآيات في موضعها من سورة القيامة مثير للسؤال، بل مثير للشكوك عند مرضى القلوب،على ما ذكره الفخر الرازي -رحمه الله-من زعم" قوم من قدماء الروافض أن هذا القرآن قد غير وبدل وزيد فيه ونقص عنه، واحتجوا عليه بأنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها ولو كان هذا الترتيب من الله تعالى لما كان الأمر كذلك."

وقد حاول الرازي أن يرد على الطاعنين فذكر وجوها في بيان المناسبة

"أولها: يحتمل أن يكون الاستعجال المنهي عنه، إنما اتفق للرسول عليه السلام عند إنزال هذه الآيات عليه، فلا جرم. نهى عن ذلك الاستعجال في هذا الوقت، وقيل له: لا تحرك به لسانك لتعجل به وهذا كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئاً، فأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً، فيقول المدرس في أثناء ذلك الدرس لا تلتفت يميناً وشمالاً ثم يعود إلى الدرس، فإذا نقل ذلك الدرس مع هذا الكلام في أثنائه، فمن لم يعرف السبب يقول: إن وقوع تلك الكلمة في أثناء ذلك الدرس غير مناسب، لكن من عرف الواقعة علم أنه حسن الترتيب ... "

لا شك أن توضيح الفخر حسن جدا، لكنه لا يساعد كثيرا على إزالة الإشكال فإن وحدة الواقعة لا تحقق الترتيب الداخلي فضلا عن حسنه!!

وفي مثال التلميذ فإن الدرس في الحقيقة لم ينقل "مع" الكلام، ولكن الكلام نقل "في "الدرس وامتزج به عضويا .. مكونا- في ما يفترض- نصا واحدا ومعلوم أنه لا نص بدون اتساق داخلي فعاد الإشكال جذعا ..

سنحاول بداية أن نرصد الإشكال، بتوظيف مفاهيم مستحدثة،فنقول:

إن آيات الاعتراض في سورة القيامة لا تتسق دلاليا مع سياقها فقط،بل هي منتمية إلى مستوى خطابي مباين تماما لمستوى خطاب السياق:

فالسورة من حيز خطاب "الملفوظ"

وآيات الاعتراض من حيز خطاب" التلفظ" ..

ولك أن تقول: السورة من "الحديث" وآيات الاعتراض من "التحديث" .. أو أي مقارب في الاصطلاح للثنائية الأعجمية (énonciation/ énoncé) الشهيرة في علم اللغة المعاصر وفي فلسفة اللغة ..

لعل المقام لا يتسع لبيان شامل لهذين المستويين في الخطاب وسنقتصر فقط، لتنوير القاريء، على مثال توضيحي أو مثالين:

إنك لو تأملت عبارة "هنا شجرة" حق التأمل، لأدركت أن جهة الدلالة في لفظ "هنا" ليست مثل جهة الدلالة في لفظ" شجرة"،فمعنى -أو مرجعية- "شجرة" ثابت حيثما قيلت .. وليس كذلك معنى "هنا" فهو تابع للمتلفظ لا يفهم إلا من وجود المتكلم به .. فلو كان المتكلم من القاهرة فإن "هنا" في كلامه ستعني القاهرة ولو تكلم بهذه العبارة نفسها بغدادي لكانت "هنا" دالة على بغداد وهلم جرا ... باختصار ليس ل"هنا" أية مرجعية ذاتية وإنما هي إضافية دائما ... عكس كلمة" شجرة "فهي تحيل في شتى الظروف على ماهية واحدة ..

وقس على" هنا": "الآن" و "غدا " و"أنا" و"أنت" و"كاف" الخطاب و"ياء" النداء وغيرها ..

هذه الوحدات التي لا تكتسب معناها إلا من ظرف القول هي التي تكون في اللغة مستوى التلفظ أو التحديث .. أما باقي الوحدات اللغوية التي لا يتأثر معناها باختلاف التلبسات فهي المكونة لمستوى الملفوظ أو الحديث ..

وهذا مثال آخر:

"قلت لصاحبي أمس إن الشمس ساطعة."

فالجملة الاولى" قلت لصاحبي أمس" من مستوى التلفظ. والثانية" إن الشمس ساطعة" من مستوى الملفوظ .. وآية الاختلاف بين المستويين أنك لو سمعت هذا النص من القائل وأردت لأن تحكيه لثالث فستجد نفسك مضطرا لإحداث تحويل في مستوى التلفظ فتقول:

قال لصاحبه إن الشمس ساطعة ..

أما النقل الحرفي لمستوى التلفظ فيجعل الجملة كاذبة .. لكن جملة الملفوظ "إن الشمس ساطعة " فهي بحكم استقلالها الدلالي لن يعتريها تغيير ... -بل إن تغييرها قد يجعل الجملة كاذبة-

وفي المثال المضروب من قبل الرازي تكون عبارة" لا تلتفت يميناً وشمالاً" من صعيد التلفظ .. أما محتوى الدرس الذي يتلقاه من مدرسه فهو من حريم الملفوظ ..

ولا شك أن التلميذ له من الوعي ما يفرق به بين المستويين .. ولا نحسبه يدرج عبارة " لا تلتفت يميناً وشمالاً" في منصوص الدرس، فيلقنها لتلاميذه –عندما سيكون شيخا- معترضة لجمل تتكلم عن فرائض الوضوء!!!

وهنا بالضبط سر من أسرار القرآن، ودليل دامغ على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأمانته في تبليغ ما أنزل إليه ..

فالقرآن جعل من الحدث التلفظي ملفوظا .. والرسول صلى الله عليه وسلم بلغ ما سمع حديثا واحدا على مرتبة واحدة لا تمييز فيها بين الحديث والتحديث .. وهذه ذروة الامانة ..

ولو شئت مزيد توضيح قدر في نفسك أن تقول لغلامك:

"قل لأخي إنني أنتظره هنا "

فالغلام يعي بلا شك أن لفظة "قل" من التلفظ وليس لها معنى إلا في ظرف خاص هو مشافهة السيد له ومن الحماقة أن يجعلها ضمن الرسالة نفسها أي ضمن الملفوظ .. لأن الرسالة ستصبح حينئذ غير قابلة للقراءة .. فهل يتصور أن يمثل الغلام أمام المرسل إليه فيقول له وهو في مقام التبليغ: "قل لأخي إنني أنتظره هنا "!!!

قارن هذا مع:

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ {1}

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1}

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ {1}

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ {1}

لم يفرق الرسول صلى الله عليه وسلم بين المستويين فيبلغ النداء "يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ" ويطوي صيغة الأمر"قُل" باعتبارها خارجة عن الحديث ... ولو فعل ماكان عليه شيء بل لا يتعين إلا التفريق في مقتضيات الخطاب البشري ...

لكنها الأمانة في النقل عند أسمى درجة ...

وبناء على هذا، فإن البحث عن المناسبة في آيات الاعتراض في سورة القيامة وتكلف اتساقات وهمية ليتضاءل ويخفت أمام هذا النور الباهر الكاشف لصدق النبوة الخاتمة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015