ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[24 - 06 - 2009, 07:09 م]ـ
14 - لمحة في قوله تعالى:
بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ {2} أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ {3}
1 - من بديع هذا المطلع أن يطوى مضمون البعث مرتين:
طوي،أولا، في أسلوب القسم ...
وطوي،ثانية، في أسلوب الاستفهام الإنكاري!
فواضح جدا أنه قد تم حذف جملة بين همزة الاستفهام و"إذا" الظرفية .. ومضمون هذه الجملة المحذوفة هو مستنكر الاستفهام ومتعلق الظرف ... يقدر ب"وقوع البعث" بدلالة التذييل: "ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ "
2 - من بديع هذا المطلع أيضا أن يقع في حيز جملة واحدة "إضمار في موضع إظهار" وإظهار في موضع إضمار":
بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ
- قال "عجبوا" فأضمر، وهذا موضع الإظهار
-وقال "فقال الكافرون" فأظهر، وهذا موضع الإضمار ..
أضمر لأن ذكر صدور التعجب من البعث يصرف الذهن مباشرة تلقاء هؤلاء الأقوام فلا حاجة إلى تسميتهم .. فالمقالة معروف أصحابها
أما الإظهار فلنكتة مفادها تعليل استبعاد البعث:
فلا يكون هؤلاء قد كفروا لأنهم ينكرون البعث، بل هم ينكرون البعث لأنهم كفروا ... !!
ومعنى ذلك أن إنكارهم لم يكن نتيجة فكر أو مقتضى نظر أو حاصل استدلال وإنما كان عن هوى منبثق من حالتهم الكفرية فمن مصلحتهم ألا يكون ثمة بعث لينصرفوا إلى لذاتهم فلا تنغصها عليهم آثامهم لأنهم لن يحاسبوا عليها ..
وهكذا يكون منهج الكافرين أقبح منهج .. فالمشتهى عندهم واقع!!
ولسان حال استدلالهم:
إذا كان عدم البعث مرغوبا فيه، فإن عدم وقوعه واجب!!!
أو (كوجيتو) مضحك:
أنا أريد شيئا فهو موجود!!
3 - من بديع هذا المطلع التقابل في الإشارة:
-هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ
-ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
فالتقريب للتشنيع والاستهزاء: فقربوا ب "هذا" ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم لتسجيل الشناعة عليه واستعظام ما تكلم به وكرره في كلامه ..
والاستبعاد ب "ذلك" تقييما لمحتوى ما أخبر به الرسول .. فوقوع البعث مستبعد جدا فيليق به أن يشار له إشارة البعيد عن التعقل والبعيد عن الحصول.
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[28 - 06 - 2009, 02:58 م]ـ
15 - لمحة في قوله تعالى:
أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ {6} وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ {7} تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ {8} وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ {9} وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ {10} رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ {11}
افتتح المقطع ب "أفلم ينظروا"،وأقفل ب"كذلك الخروج".
الافتتاح إرهاص بالوصف، لكن القفل يجعل المتلقي يعيد قراءة المقطع: فما كان وصفا يؤول الآن إلى ضرب من القياس .. فيكتسب المقطع خاصة التثنية الخطابية: فهو نص وصفي ونص حجاجي في آن واحد .. أو إن شئت قلت: هو "خطاب للبصر"مع كونه "خطابا للبصيرة "!
1 - خطاب البصر:
استعراض للوحات في السماء والأرض مع التنبيه على مقوّمي الشدة والجمال ..
فالشدة أظهرتها عبارة "بنيناها" الدالة على الالتحام والتماسك- بأسلوب الإثبات-،مع تأكيد المعنى ذاته - بأسلوب السلب- بقوله:" وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ".
أما الجمال فقد تكفلت ببيانه عبارة "وزيناها " ..
وعند الانتقال إلى الفضاء السفلي نجد المقومين نفسيهما: فالقوة معبر عنها ب"المد" و"الإلقاء "والجمال معبر عنه بصفة "بهيج" (والبهجة هي الزينة في المعجم)
وبوسعنا ملاحظة التناغم بين الفضائين العلوي والسفلي: ف"البناء" في السماء يوازيه "المد" في الأرض،باعتبار التوسيع في كلّ، مع اختصاص كل جهة بما يلائمها فالبناء توسيع عمودي والمد توسيع أفقي ...
ويظهر التوازي ثانية في جعل النجوم (وزيناها) في السماء، مقابلا بجعل الجبال (رواسي) في الأرض.
ونلحظ ثالثة ذلك التجاوب الجميل بين الحركة النازلة من السماء " وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً" والحركة الصاعدة من الأرض "فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ"
باختصار تصور لوحة مما يتملى بها البصر.
2 - خطاب البصيرة:
عندما يصل المتلقي إلى نهاية المقطع"كذلك الخروج" سيجد أنه يتعين عليه التحول من مقام التملي الجمالي إلى مقام التدبر القلبي ... -وقد نبه على ذلك،قبل، في الآية المتوسطة للمقطع" تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ"-
فيعي، إذن، أن اللوحة المصورة للعين ما هي إلا مقدمة في الاستدلال ...
والاستدلال هنا على قضيتين جليلتين:
استدلال على الربوبية
استدلال على البعث ..
فأما الاستدلال على الربوبية فمن جهتين:
أ-من جهة الاختراع –الدال على القدرة- بذكر خلق السماء وبنائها وإنزال الماء منها، وذكر مد الأرض وإرساء الجبال فيها وإنبات النبات منها ..
ب-من جهة العناية –الدالة على الحكمة- بذكر تناغم المخلوقات واتحادها في غاية واحدة مع تباعدها واختلاف طبائعها مما ينفي أي اعتباط في الكون، ويقرر ضرورة الإذعان لخالق حكيم .. هذه العناية وضحتها عبارة "رِزْقاً لِّلْعِبَادِ" وهي الغاية التي ائتلفت عندها السماء والأرض ...
وأما الاستدلال على البعث -وهو المقصد الأساس-فقد تم من خلال الاستدلال بالإمكان الواقعي -وليس بالإمكان الذهني فقط- وكان الاستدلال واضحا جدا،قويا جدا،لأن الآيات قد قربت المقدمات حتى جعلتها حسية تجريبية لا يمارى في شأنها .. -وقد قلنا قبل إن النص خطاب للبصر والبصيرة في وقت واحد-فمشهد نزول الماء ظاهرة حسية مألوفة .. ومشهد الأرض البوار حسي مألوف ... ومشهد خروج الحياة من الأرض البوار عقيب الارتواء بالماء حسي متكرر مألوف ..
فلم يقول الكافرون –بعد كل هذا-عن البعث إنه رجع بعيد!!!
¥