ملتقي اهل اللغه (صفحة 2828)

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[19 - 06 - 2009, 03:05 م]ـ

12 - لمحة في قوله تعالى:

قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقاً مِّنَ اللهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ {80} ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ {81} وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ {82} قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ {83}

أمامك ربط بديع بين مشهدين:

المشهد الاول/

الإخوة في مصر وكبيرهم يلقنهم ما سيقولونه لأبيهم.

المشهد الثاني/

الإخوة في البيت في حوار مع أبيهم ..

تأمل الآن هذا القول: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ..

فهل هو من المشهد الأول أم من الثاني؟

أو قل:هل هو من ملفوظ الأخ الكبير في مصر أم من ملفوظ التسعة في بيت العائلة!!

الظاهر أن هذا القول مما يلقنه لهم كبيرهم .. فهو من ملفوظه،ولكن أسلوب توجيه الخطاب إلى الأب، ورد يعقوب عليهم بأسلوب الاضراب "بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً" يجعل هذا القول وكأنه من ملفوظ التسعة .. فلا يكون الحوار نجوى بين الإخوة في مصر، بل بينهم وأبيهم في الشام!

فأنت ترى أن القرآن أبدع هنا اختزالا عجيبا، وإدغاما مثيرا،إذ جعل" القول" متنازعا بين مشهدين .. !!

فقد تغير المشهد مكانا، وزمانا،وشخصيات، وملابسات،بينما المتلقي يستمع إلى حوار واحد-أو هو مفترض كذلك- يحتار في "تأطيره " -عندما يفجؤه التحول- أهو من المشهد السابق أم من اللاحق .. !

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[22 - 06 - 2009, 03:07 م]ـ

13 - لمحة في قوله تعالى:

ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ {1} بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ {2}

1 -

في هذا المطلع حذف بديع شبيه بالاحتباك دون أن يكون إياه:

فقد ذكر من القسَم شقه الأول

ومن تركيب الإضراب شقه الثاني ...

فيكون في الآيتين احتباك شكلي وليس معنويا .. فليس للمذكور علاقة دلالية بالمحذوف، فيستحضر بالحاضر الغائب .. أو لنقل:

إن الحذف والذكر في الاحتباك يكون في نظام رباعي، ولكنه هنا في ثنائيتين منفصلتين ...

2 -

أحذف هو أم تأجيل؟

"ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ" ... المقسم به يحتاج إلى جواب والعبارة المجاورة "بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ" لا تصلح لأن تكون جوابا أو لتسد مسده .. -وإن قال به نحاة الكوفة-

وكذلك في تركيب الإضراب فإن ما قبل "بل" لا يصلح أن يكون مضروبا عنه ... ومن ثم قلنا بشبه الاحتباك ..

ومن النحاة من قال إن جواب القسم غير محذوف بل هو مؤجل الذكر فحسب .. :

فجواب القسم عند الأخفش {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الارض مِنْهُمْ} [ق: 4] وحذفت اللام لطول الكلام، وعنده أيضاًوعند ابن كيسان {ما يلفظ من قول} [ق: 18] وقيل: {إن في ذلك لذكرى} [ق: 37] وهو اختيار محمد بن علي الترمذي، وقيل: {مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ} [ق: 29]

-انظر روح المعاني –

لست أدري مدى ما تسمح به الصناعة النحوية من مسافة بين فعل القسم وجوابه ولكنني متيقن من أن الحس البلاغي لا يقبل شيئا من مثل هذا التأجيل الذي افترضه هؤلاء النحاة .. فلا يعقل أن يكون الاعتراض متضمنا لسياحة في قصة الخلق وفصولا من تاريخ البشرية ثم يأتي بعد ذلك جواب القسم!!!

فكأنهم ذهلوا عن مقصد القسم وانساقوا خلف الصنعة ..

فالقسم تأكيد وحجاج .. فلا ينبغي أن يتأخر الجواب إلا بمقدار ما يتأخر المؤكد عن مؤكده ..

واختلاف النحاة الذي ذكرناه دليل على ضعف مذاهبهم –على الأقل من جهة بلاغة التداول- فلا يعقل في كلام الناس أن يزمع متكلم منهم على تأكيد شيء، فيخفيه، فلا يعلم الناس ما يريد أن يؤكده لهم .. !

ولا يعقل في تداول الكلام أن يقيم متكلم حجة على أمر فيخفيه بين أمور كثيرة فلا يتفق على أي أمر يحتج له!!

جواب القسم محذوف هذا ما يقتضيه الحس البلاغي وهذا ما يليق بالبيان المعجز ..

فإن قلت أليس التأجيل أحسن حالا من الحذف،فذاك موجود وهذا معدوم والوجود أشرف من العدم؟

قلنا لا يستويان، فالتأجيل-هنا- إخلال بالبيان أما الحذف فلنكتة بديعة .. وقديما قال عبد القاهر في شان الحذف"

"إنه شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر، أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة، أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن .. "

إن طي جواب القسم في مطلع "ق" يتضمن تقريعا كبيرا للكفار .. وتنديدا بما هم عليه من جمود عقل وأسر تقليد ... فالجواب المحذوف يشير إلى أن هؤلاء لا يجدي معهم قسم ولو كان من رب العالمين ..

فأنت –ولله المثل الأعلى-عندما تريد أن تقسم لشخص عن أمر فتشرع في القسم ثم تقدر في نفسك أن مخاطبك قد بلغ به العناد شأوا بعيدا بحيث لن يتحول عن معتقده قيد أنملة مهما أقسمت له، فترى الاستمرار في القسم غير ذي فائدة،فتفضل العدول عما بدأته من قسم ... لتحقق فائدتين:

1 - تمام القسم حكما، لأن المقسم عليه يكون من شدة الوضوح بحيث يخطر على البال بأدنى تأمل فلا يكون تقديره من المبهمات ..

2 - العدول عن لفظ المقسم عليه بمثابة "غسل اليدين" من المسألة وفيه ما ترى من تسجيل التبكيت والتخجيل على الخصم ..

إن المطوي بين القسم والإضراب له علاقة بالبعث .. فالسورة كلها قد اتخذت من البعث محورها الأساس: استدلا، ووصفا، وتخويفا ..

نشير ختاما إلى أنه بوسعنا أن نقدر جواب القسم مباينا للمضروب عنه فينشأ "احتباك تركيبي"

وبوسعنا كذلك تقدير جملة واحدة مطوية يتنازعها الإضراب والقسم. والله أعلم

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015