ملتقي اهل اللغه (صفحة 2827)

-يوسف في بيت العزيز غلاما مشترى

-يوسف في السجن بتهمة ملفقة.

-يوسف في القصر بفضل ما عنده من علم

-تصيب المنطقة جائحة سنوات متعاقبة من الجفاف ..

-تخلو المنطقة من الطعام فلا يوجد إلا في مصر ..

-تأتي وفود الناس إلى مصر طلبا للطعام ..

-يأتي إخوة يوسف مثل غيرهم ..

-ثم يقع اللقاء .. فينبئهم يوسف بأمرهم ذاك.

تفحص هذه الحلقات الوسيطة يكشف عن سلاسة في تلاحقها تبدو معها أحداثها كلها وكأنها "برنامج" – أوخوارزمية-وجهتها تحقيق اللقاء ..

-فلم يبعه السيارة إلا للعزيز

-ولم يشتره العزيز إلا ليؤخذ إلى السجن ..

-ولم يسجن إلا للاقتراب من الملك ..

-ولم يقرب من الملك إلا ليكون على الخزائن ..

-وتلك الخزائن هي المجتذبة لإخوة يوسف ..

-فتحتم اللقاء.

المسار السردي منطقي جدا، خال من أي تعسف في الحبكة، أو افتعال في تصور الحدث .. وإن العقول الموغلة في الوضعية نفسها لن تجد اعتراضا على هذا المسار فلا يتخلله حدث خارق أو تدخل ماورائي متعال عن الأسباب الطبيعية ... ووصول يوسف إلى الحكم -الذي قد يستغرب- أمر عادي -غير مستبعد عند الوضعيين أنفسهم- فمن عادة ملوك الأرض قديما وحديثا الاستعانة بأهل العلم والتقنيين واستوزارهم في شؤون الملك.

ثم إن هذا المسار من قبل ومن بعد تاريخ واقع وليس قصة متخيلة ..

والآن يمكن للقرآن أن يرفع التحدي عاليا:

هل في وسع القصاصين والروائيين "افتراء" أحداث وفصول رابطة بين اللحظتين السرديتين:لحظة الانفصال ولحظة الاتصال .. على أن تأتي هذه الفصول قريبة من سلاسة الربط القرآني!!!

بعبارة أخرى:يسرد على الأديب قصة يوسف إلى حدود الطرح في الجب ثم يقال له تخيل ما شئت من أحداث على سيبيل الافتراء لتجعل يوسف يلتقي بإخوته ..

مع ملاحظة أمر ذي بال:

الإخوة هو الذين سيذهبون للقاء أخيهم -لا العكس - وهنا موطن الصعوبة .. لأن عودة يوسف مثلا إلى بيت الأسرة أمر هين فلا شك أن لديه ذكرى ولو باهتة عن مكان صباه أو على الأقل يعرف اسم المكان أو القبيلة فمن السهل السؤال عنها والاهتداء إليها (وهذا شيء يسير في مخيلة الروائي) .. لكن الأصعب هو أن يذهب الإخوة إلى يوسف وليس عندهم أدنى علم بمكان وجوده ... وهذا ما حكاه القرآن ..

إذن تخيل ما شئت من أحداث لتجعل يوسف يلتقي بإخوته .. وهات ما شئت من سيناريوهات مفتراة وقارنها مع "سيناريو" القرآن "وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ".

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[18 - 06 - 2009, 05:57 م]ـ

11 - لمحة في قميص يوسف -عليه السلام-

-وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً

-وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ {26} وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ {27}

-اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ {93}

هي أقمصة ثلاثة:

قميص ادعاء، فقميص براء، ثم قميص دواء.

1 - قميص/ ادعاء:

القميص هنا وعاء، فهم ما جاؤوا" بقميص فيه دم كذب" بل جاؤوا "بدم كذب على القميص" .. فيتأسس من التركيب أن يكون الدم الكاذب هو بؤرة الاهتمام،وليس القميص الذي يشغل موقع الظرف فقط .. -ومعلوم أن المفعولية تربو على الظرفية كرتبة العمدة في مقابل الفضلة-

ولعل اهتمام الإخوة بالدم باعتباره محل الشاهد كان وراء ذهولهم عن القميص، فلم يؤهلوه للاستدلال- بتمزيقه مثلا-حتى أن يعقوب –عليه السلام-كان يرى أثر الدم، ولا يرى فيه خَرْقًا، ويقول: يا بني ما كنت أعهدُ الذئب حليمًا؟ -حسب ما تناقله المفسرون-

ويستفاد من المقام أن اختلاق الأدلة بصورة تامة غير ممكن، لصعوبة في إحاطة بكل التفاصيل، وانتباه إلى كل اللوازم ... ومن ثم اشتهر عند كتاب الرواية البوليسية أن الجريمة المتقنة لا تكاد توجد.

2 - قميص /دواء

اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا ..

جاء تأخير الإشارة حاملا لمعنى التعريض الخفي ... وهو مما لا يستشف لو قدم الإشارة أو ألغاها:

-اذهبوا بهذا القميص

-اذهبوا بقميصي

وتقدير التعريض -مثلا -:"اذهبوا بقميصي هذا، وليس ذلكم القميص الذي جئتم أباكم به من قبل! "

3 - قميص/ براء ..

استدلال "الشاهد من أهلها "بالقميص في غاية الحصافة العلمية والذوق الإجتماعي:

أ-طرح النظرية مجردة أولا ثم التحاكم إليها ثانيا:

النظرية:

إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ {26} وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ {27}

التطبيق:

{فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} يوسف28

والاستدلال على هذا النحو أبعد عن الباطل .. لأن المرء يكون قد قرر في حياد تام قاعدة معينة، فيكون رهينا بها، قاضيا على نفسه بقبول نتيجة الاختبارأيا كانت ...

على العكس ما لو تفحص الواقعة التجريبية أولا لأنه لا يؤمن أن تخترع النظرية لتمرير الواقعة أو زخرفتها ..

فكان من حصافة هذا الشاهد –وهو من أهل المرأة- أن قرر القاعدة قبل تفحص القميص قياما بحق النزاهة والحياد.

ب-هذا الشاهد قام أيضا بحق "الإتيكيت" الاجتماعي و"العرف" الارستوقراطي .. فهو عندما استعرض الحالين الممكنتين بدأ وفق مقولة "النساء أولا"

فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ ..

فبدأ باحتمال صدقها وأخر فرضية صدق غريمها ... وفي هذا جبر شكلي لخاطر المرأة باعتبارها أنثى أولا ومن أهله ثانية.

هذه ثلاث وظائف مختلفة للقميص في قصة يوسف ... ولنا أن نلاحظ أيضا بديع التقابل فيها:

أولا:

التقابل بين حالي القميص من جهة الاستدلال:

القميص في سياق اختلاق الدليل وتزييف الوقائع" وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ"

القميص في سياق الدليل الصادق الحق .. الذي يجلي الواقع كما هو لا كما يظهر .. فكل الملابسات من شأنها أن تورط يوسف عليه السلام لولا ذلك القميص.

ثانيا:

التقابل في الآثار النفسية للقميص:

قميص يأتي بالأحزان

وقميص ينهيها ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015