فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً {27} يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً {28} فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً {29} قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً {30} وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً {31} وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً {32} وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً {33}
الكلام على القصة في مقامين.
1 - المقام الأول:
هذا كلام عيسى ابن مريم في المهد، خارق للعادة، وإن تقليب الحدث على كل وجوهه يفضي إلى نتيجة واحدة:
هذه المعجزة لا مناص من وقوعها.
فلنتأمل هذه المكونات:
-امرأة غير ذات زوج تأتي من خلوة تحمل صبيا.
-لا تنكر أن الصبي ولدها ... ولكنها تدعي أنها لم يلمسها ذكر.
-قومها قوم بهت، طعانون في خيرة الناس من الأنبياء بل تجرؤوا على ربهم نفسه فوصفوه بما لا يليق من البخل والندم ..
فكيف يمكن لمريم أن تثبت براءتها لمثل هذا القوم بدليل مادي ملموس لا ريب فيه؟
في الحقيقة إن ظاهر حالها يدينها بقوة .. وحتى لو كان قومها من غير اليهود من شيمتهم إحسان الظن بالناس، فمن المستبعد أنهم سيبرؤون مريم استنادا فقط إلى قولها .. فالمرأة حملت ووضعت وجاءت بصبي وتقول إن كل ذلك حصل من غير لامس، من يصدق هذا!!!
لا يمكن لأحد أن يصدقها لأنها تدعي قضية غير معتادة ولا يمكن التأكد منها بالوسائل العادية المتعارفة .. فأقصى ما يمكن الاعتماد عليه هو الماضي الطاهر لمريم وشهادتها لنفسها .. لكن هذا لا يكفي لتمرير الواقعة عند الناس فكيف والمتهمون هم اليهود!!
إذن، لا يمكن أن يستدل على حدث خارق إلا بدليل خارق من جنسه .. ومن ثم كان كلام الصبي في المهد مبرئا أمه ... والدليل المقدم على البراءة هو كلام الصبي نفسه .. فحصل أمر بديع من اتحاد القضية ودليلها!!
2 - المقام الثاني:
لكن الأغرب في المسألة هو إنكار النصارى لمعجزة كلام عيسى صبيا،مع أن منهجهم مشهور في التوسع كثيرا في إثبات المعجزات والكرامات!
هم يزعمون أن الكتابات المقدسة عندهم لم تشر إلى هذا الحدث .. وأن القرآن قد انفرد بذكر هذا الرواية "الشاذة " فلا يعول عليه! ..
ها أنت ترى كيف يخربون بيوتهم بأيديهم .. فالقرآن الحكيم يمد لهم الدليل الوحيد على براءة مريم وهم له رافضون ... فبأي دليل- بعد آيات الله -يردون على اليهود الذين قالوا في مريم قولا عظيما!!
وكيف تستقيم دعوة المسيح -فيما بعد- وأصله محاط بالشك من كل جهة ..
إن النصارى-بما في أيديهم من كتب- عاجزون تماما على الرد عن شبهات اليهود .. وهي قوية جدا كما بينا ..
لا يلقمهم الحجارة إلا القرآن:
فقد سمعوا بآذانهم صبيا في المهد ينطق ببراءة أمه ...
فهل بعد هذا الدليل الحسي دليل!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[11 - 09 - 2009, 04:06 ص]ـ
{يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} العنكبوت54
-طلب سفيه:
الاستعجال بالعذاب لا يكون إلا من سفهاء ...
هب رجلا مشهورا بالكذب يحذرك من سلوك طريق مدعيا أن أسدا عابسا يربض فيها، وينصحك باتخاذ مسلك آخر ... ماذا ستفعل؟
هل ستقامر بروحك بالسير في طريق الهلاك –أو يفترض فيها ذلك-مقتنعا بأن ناصحك كذاب لا يعتد بنصحه ..
ولكن ماذا لو صدق هذه المرة؟
صحيح إن عادته الكذب .. ولكن لا يلزم من ذلك أن تكون كل أقواله كاذبة ..
ثم إن الخطر كبير جدا، فيه ضياع المهجة ..
وهناك مسلك آخر آمن باتفاق ..
هذه العناصر تجعل من مشاققة ذلك الكذاب محض سفاهة!!
لكن الأمر هنا لا يتعلق برجل كذاب، بل برسل اشتهر صدقهم بين الناس وظهرت آياتهم في الآفاق.
كما أن الأمر لا يتعلق بأسد -أقبح ما يمكن أن يفعله بك هو أن يفترسك فتنتهي-بل بعذاب لا يفتر أبد الآبدين ..
فإذا كان الرشد يملي عليك أخذ كلام الكاذب مأخذ الجد نظرا لخطر ما يهددك به ... فأولى بك أن تأخذ تحذير الصادق مأخذ الجد والخطر أعظم وأشد ..
لكن الكفار سفهاء .. لا يعقلون ... يستعجلون بالعذاب ساخرين ..
-رد بليغ:
في الآية مفارقة بديعة، فلم يكن الرد على هؤلاء المستهزئين بأن ما يوعدون لآت .. بل هم فيه. ..
الآية ألغت الفاصل الزمني ... فكان الإيحاء باقتران الاستعجال مع التلبس بما يستعجلون به إظهارا لسفاهة القوم: يستعجلون بجهنم وهم فيها محاصرون داخلها!!
الوجه البلاغي هنا كما في قوله تعالى {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} النحل1
وكم أحب أن تكون" الواو" حالية -لا عاطفة أو استئنافية-لتحقيق تلك المفارقة البديعة!
ـ[أحمد الصوابي]ــــــــ[12 - 09 - 2009, 01:28 ص]ـ
جزاك الله خيرًا
واصل إبداعك
أمتعتنا وأفدتنا بحقّ
زادك الله علما ونور الله بصيرتك
¥