ملتقي اهل اللغه (صفحة 2781)

عجَّت القصيدة باللوحات الفنيّة والصور الرائعة التي استمدَّها من البيئة المحيطة ومن مخزونه الثقافي،موظِّفاً هذه الصور لشدّ انتباه المتلقي، ظهر هذا في مطلع القصيدة عندما صوَّر الأب وقد شدَّ بطنه بعصبة ليخفف ألم الجوع،وهذه عادة في مجتمع الفقراء فنقول: شدَّ على بطنه حجراً ليخفف ألم الجوع. وفي البيت الثالث يقدِّم صورة العجوز في طريق بين جبلين، وإلى جانبها ثلاثة أطفال بصورة أشباح لنحول أجسامهم،ويُتبع الصورة بصورة أُخرى ليزيد من حجم المأساة عندما يصوِّر أطفاله بولد الضان الهزيل.

في البيت السابع تبرز صورة الأب محتاراً في حالة تردد واضطراب،إذ أقبل إليه ولده يطلب منه ذبحه وتقديم لحمه للضيف،هذه الصورة تدلُّ على أن القرآن الكريم مصدر من مصادر ثقافة الشاعر،إذ تعيد إلى أذهاننا مشهد شيدنا إبراهيم الخليل عندما همَّ بذبح سيدنا إسماعيل فافتداه الله بكبش سمين،وهذا هو الله تعالى يفتدي الابن بنخوص ممتلئة الشَّحم واللحم.

ورغم الجوع والعطش إلا أن الشاعر أبدع في تصوير حركة الأب المتعطّش للحم الحمر الوحشيّة، الذي انساب نحوها بهدوء كي لا تنفر، وأبرز الجانب الإنساني عندما أمهلها حتى شربت وارتوت،،ثمَّ أخرج من جعبته سهما أرسله فأصابها.

باختصار كانت الصور عند الحطيئة زاخرة بالحركة والحيوية،تعبيريّة بعيدة عن التقريريّة والجمود.

الأفكار الرئيسة:

بعد شرح المعاني وتوضيح الصور الفنيّة في النص، نستطيع الوقوف على الفكرة العامة من خلال الأفكار الفرعيّة التي جاءت مرتبطة بالقيم الاجتماعيّة وأبرزها الكرم،وُفِّق الشاعر بعرضها مستعيناً بالصورة الفنيّة الرائعة التي استطاع أن يرسمها بدقَّة متناهية ليشد انتباه المتلقي وحثَّه على تصوّر المقطع المشهدي،لاسيما أن القصيدة تنتمي إلى الشعر القصصي وتحتاج إلى تصوّر ذهني من المتلقي. فتعالوا نتعرّف إلى هذه الأفكار:

1. وصف الأب والأبناء في الصحراء

2. مقدم الضيف والحوار بين الأب والابن

3. اصطياد واحدة من الحمر الوحشية

4. فرحة الأب والزوجة بإكرام الضيف.

من خلال هذه الأفكار الفرعية نستنتج الفكرة العامة " الكرم العربي رغم البؤس "

لعبت براعة الشاعر دوراً بارزاً في الانتقال من فكرة إلى فكرة أخرى والربط بين الفكرة والتي تليها دون أن يشعرك في عمليّة الانتقال وهذا ما يطلق عليه حسن التخلّص.

لغة النص:

برع الحطيئة باختيار ألفاظ القصيدة التي جاءت منسجمة مع الجو العام،فقد وظَّف لوصف حال الأب والزوجة والأبناء في الصحراء ألفاظاً تحمل دلالات الفقر والوحشة مثل: طاوي،عاصب البطن،مرمل،أخي جفوة،بؤس،أشباح،حفاة، عراة. هذه الألفاظ تستطيع أن تحمل دلالات القلق والخوف من المجهول، وفي لحظات القلق والخوف وظَّف ألفاظاً لوصف الحالة الانفعاليّة المهزومة لما أصابها من همِّ وغمِّ لمقدم الضيف، حتى في تلك اللحظات التي عرض ابنه عليه ذبحه نحو؛ يسوَّر، راعه، حيره، اهتمَّ.

هذه الانفعالات النفسيّة التي عاشها الأب، دَفَعَته للاستغاثة، وقد أبدع الشاعر في رسمها من خلال استخدام أساليب الاستغاثة والقسم والدعاء للدلالة على حجم المعاناة والقلق والحاجة الماسَّة لاستجابة الله لدعائه، فقال: " هيا ربَّاه ضيف ولا قرى " وكذلك " بحقِّك لا تحرمه تالليلة اللحما ".

حتى في مشهد ورود الحمر الوحشية إلى الماء رسم صورته بطريقة هندسيّة " انتظمت من خلف مسحلها "، " وأرسل من كنانته سهما "، فقد أحسن في توظيف اللفظ أرسل للدلالة على الهدوء والثقة، ولذلك كانت رميته صائبة، في حين لو استخدم اللفظ رمى لكانت الصورة موحية بالاضطراب والتسرّع، وربما كانت رميته طائشة.

ولأن الشاعر بنى قصيدته على التوتّر والقلق، شاع استخدام الأفعال الدالة على الحركة لإشاعة الحركة داخل النص التي من شأنها تقريب المشهد عند المتلقَّي، فوظَّف الأفعال؛اذبحني، أحجم،خرَّت،جرَّ،انساب، هذه الأفعال جعلت الصور مشحونة بالحركة " أرسل من كنانته سهما " صورة حركيّة تدلّْ على العزم والتصميم، " أمهلها حتى تروَّت عطاشها " صورة حركيّة وهو يترقَّب بقلق.

ـ[هاني علي الهندي]ــــــــ[22 - 09 - 2009, 12:57 ص]ـ

العاطفة:

تنوَّعت العواطف في النص، فجاءت خليطاً بين البؤس والحزن والقلق والتوتّْر، وبرزت بشكل واضح: ـــ عاطفة الرِّضى والقبول بالأمر الواقع،وهو قسوة الحياة.

ـــ عاطفة الأسى والحزن على الأبناء

ـــ عاطفة الخوف من التقصير بحق الضيف

ـــ عاطفة البُشرى والفرح بالصيد الثمين.

الموسيقى:

بنى الشاعر قصيدته على البحر الطويل، هذا البحر منحه طول نفس في البيت الواحد، ومنحه مساحة واسعة ليعبّرِ عن انفعالاته النَّفسيّة مستخدماً قافية الميم وألف الإطلاق التي جاءت مناسبة لموضوع القصيدة، وساعدته على إطلاق آلامه وشكواه من قسوة الحياة.

عناصر القصَّة في القصيدة:

بدا النص في مجمله قصَّة شعريّة قصيرة، احتوت العناصر الدراميّة بكل أبعادها، مبرزة عاطفة الألم التي ملأت قلب الشاعر وسيطرت على مشاعره، ولا نعلم إذا كانت هذه القصة حقيقيّة لأم خياليّة، إلا أنها جاءت ولها بداية ووسط ونهاية، تعتمد على تسلسل الأفكار والمعاني، مما حقق لها الوحدة العضويّة والوحدة الموضوعيّة. وللوقوف على أركان القصة، يظهر المكان وهو الصحراء، والزمان هو زمان عاش فيه الحُطيئة، استطاع الشاعر أن يحرِّك شخوصه بفنيّة عالية وهم؛ الأب والأبناء والضيف وإن لم يظهر صوت الأم والراوي، وفي الحدث نرى امرأة فقيرة تعيش في الصحراء مع أطفالها بدون طعام وماء، يتنامى الحدث وتتوالى حركات الخوف والقلق والاضطراب عند الشخوص، وتتأزَّم العقدة عندما يرى الأب ضيفا قادما ولا طعام، وتصل ذروة التّأزُّم في عرض الابن على أبيه ذبحه، فيزداد الصراع النفسي الداخلي عند الأب من خلال الحيرة والقلق؛ روَّى، أحجم، همَّ. وتبدأ العقدة بالحل عندما يظهر قطيع من الحمر الوحشيِّة قرب العين لشرب الماء.

بذلك اكتملت عناصر القصّة التي رسمها الحطيئة ببراعة بأبيات قليلة مقتصراً على الأحداث الضروريّة، وهذا هو التَّكثيف في لغة النقد الحديث

طور بواسطة نورين ميديا © 2015