ـ[هاني علي الهندي]ــــــــ[20 - 09 - 2009, 12:39 ص]ـ
قراءة في قصيدة الكرم
للحطيئة
بقلم: هاني علي الهندي
التمهيد:
الكرم سمة من سمات العربي أينما وُجد، فقد اشتهر بعضهم حتى ضربوا فيه المثل،
قالوا في المثل: " أكرم من حاتم "
واليوم سنكون في ضيافة شاعر عربي في عمق الصحراء بكل قساوتها. أدرك الجاهليّة وأسلم في عهد أبي بكر الصدِّيق، لا يُعرف له نسب فشبَّ محروماً مظلوماً لا يجد من أهله عوناً أو مددا، فاضطرّ إلى قرض الشعر يجلب به قوت عياله، ويدفع عن نفسه الظلم والعدوان، عاش في بيئة ظلمته فزادت في أوجاعه وجعا، ولعلَّ هذا الظلم الذي دفعه لهجاء كل من حوله، فهجا أمَّه وأباه وزوجته، حتى نفسه لم تسلم من الهجاء. إنه الحطيئة، تعالوا نتعرَّف على هذا المظلوم من خلال قصيدة الكرم.
وطاوي ثلاثٍ عاصبِ البطنِ مرملٍ بتيهاءَ لم يعرفْ بها ساكن رَسْما
أخي جفوة ٍفيه من الإنس وحشةٌ يرى البؤسَ فيها من شراسته نُعمى
وأفرد في شعبٍ عجوزاً إزاءَها ثلاثة أشباح تخالهم بَهما
حُفاةٍ عُراةً ما اغتذوا خبز ملة ولا عرفوا للبُّر مذ خُلِقوا طعما
رأى شبحاً وسط الظلام فراعه فلمّا بدا ضيفاً تسوَّر واهتمَّا
وقال هيا ربّاه ضيفٌ ولا قِرى بحقِّك لا تحرمه تالليلة اللحما
وقال ابنه لمّا رآه بحيرةٍ أيا أبتِ اذبحني ويسِّر له طُعما
ولا تعتذر بالعدم علَّ الذي طرا يظنُّ لنا مالا فيوسعنا ذمّا
فروّى قليلاً ثمّ أحجم برهةً وإن هو لم يذبح فتاه فقد همّا
فبيناهما عنَّت على البعد عانةٌ قد انتظمت من خلف مسحلها نظمَا
عِطاشًا تريد الماء فانساب نحوها على أنّه منها إلى دمها أظما
فأمهلها حتى تروّت عِطاشُها فأرسل فيها من كنانته سهما
فخرَّت نحوص ذات جحشٍ سمينةٌ قد اكتنزت لحمًا وقد طبّقت شحما
فيا بِشره إذ جرّها نحو قومه ويا بشرهم لمّا رأوا كَلمها يدمى
فباتوا كرامًا قد قضوا حقّ ضيفهم فلم يغرموا غُرمًا وقد غنموا غُنما
وبات أبوهم من بشاشته أبا لضيفهم ُ والأُمُّ من بشرها أُمَّا
الشرح والتحليل:
بدأ الشاعر قصيدته بوصف حال الأب وما يبدو عليه من علامات البؤس والفقر، فهو يعاني من الجوع منذ ثلاث ليالي، ولذلك يستهلُّ الشاعر صوره الجميلة بصورة الأب وقد عصب بطنه بعد نفاذ زاده في الصحراء الخالية من السكان، ولا يبدو عليه أيّ أثر للنعمة، يعاني من الوحشة والوحدة ما يعاني، حتى بات يرى فقره نعمة مقارنة مع ما يعانيه من وحدة ووحشة
ينتقل بنا الشاعر بأسلوبه الجميل يصف حال أولاده وزوجته الذين يعيشون دون طعام أو شراب، فتبدو عليهم قسوة الحياة؛ حفاة، عراة، ما اغتذوا خبز مَلَّة، هذه القسوة وهذا الجوع حوَّلهم إلى أشباح، فهم لا يعرفون للخبز طعماً مذ خُلقوا.
هذه المقدِّمة وضعنا فيها الشاعر تمهيداً لبدء أحداث القصة عندما رأى الأب شبحاً قادماً من بعيد، هذا الشبح أثار في نفسه الخوف والريبة، ولكن عندما تبّن أنه ضيف ثار وانفعل واعتراه الهم، وشرع بالتَّوسل إلى الله أن يرزقه الطعام ليقدِّمه للضيف. وعندما رآه ولده في حيرة من أمره قال له: اذبحني وقدِّم له لحمي طعاماً ولا تعتذر له حتى لا يظن أن لدينا المال ونمنعه فيذهب بنا ذمّاً بين القبائل.
بدأ الأب التفكير بالعرض المغري الذي قدَّمه الابن، وبعد تفكير عميق بين التَّردد والقلق همَّ بذبحه، وفجأة وبصورة سينمائيّة تظهر من بعيد قطعان من البقر الوحشي تقصد عين الماء، فانساب نحوها، وأمهلها لتروي عطشها اصطاد من بينها واحدة سمينة، بها بشَّر أهله وتخلَّص من دائرة الإحراج أمام الضَّيف.
كما وفِّق الشاعر في مطلع قصيدته، وُفِّق في اللقطة الختاميّة، حيث أشعرنا بنهاية القصة القصيدة إذ أوحى لنا بذلك عندما قال: " فيا بشره إذ جرَّها نحو قومه
يتبع بإذن الله
ـ[هاني علي الهندي]ــــــــ[21 - 09 - 2009, 01:45 ص]ـ
الصورة الفنيّة:
¥