ملتقي اهل اللغه (صفحة 2782)

لماذا حشر عليهم كل شيء ومع ذلك لم يؤمنوا!

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[05 - 09 - 2009, 06:08 ص]ـ

قال عز وجل:

{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} سورة الأنعام111

وقال عز من قائل:

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ {14} لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ {15} سورة الحجر.

آية الحجر تفسير لآية الأنعام .. وكذلك يبين القرآن!

قد يستغرب العاقل كل هذا العناد عند هؤلاء .. كيف لا يؤمنون وقد حشر عليهم "كل شيء"؟

كيف يكفرون وقد تنوعت الأدلة عليهم، فإن لم يكفهم نزول الملائكة إليهم، أفليس يكفيهم عروجهم بأنفسهم إليها؟

وهذه الأدلة غير مألوفة، فتمر على الإنسان فلا تستوقفه متذرعا بجريان الاعتياد، بل هي من الخوارق التي تذعن لها الأعناق، مثل نزول الملائكة وتكلم الموتى .. وهلم جرا (و"هلم جرا" في تعبير القرآن: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً).

وهذه الأدلة ليست من الرياضة الذهنية التي تترك للنكوص منافذ من الاحتمال وأبوابا .. بل هي من الحسيات التي تفرض نفسها على العين (رؤية الملائكة) وعلى السمع (حديث الأموات) وعلى بقية الحواس (وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً)!!

ومع ذلك ما كان قولهم إلا أن قالوا" إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ"!!

إن استكناه قولهم هذا لا يكشف –خلقيا-عن موهبة في العناد فحسب، بل يفضح –فلسفيا-داء عميقا لا يكاد يخلو منه زمان أو مكان .. داء خطيرا إذا تصوره المرء علته الرحضاء، فلا يزال كذلك حتى يبوء إلى ربه، أو يفقد لبه.

إن هذا الموقف الذي يصوره القرآن ليوقظ الإنسان من سباته "العقلاني" ...

إنه باختصار يكشف عن خرافة" القواطع العقلية" ويسفه سلوك الاسترواح إلى نسيج المنطق .. نسيج هو أوهى من بيت العنكبوت إلا أن يتداركه الله الرحمن الرحيم ..

ويتعجب المرء من مواكب الفلاسفة والمتكلمين ولهاثهم خلف "القاطع العقلي" وهو يقولون: "لن نؤمن حتى يتبين لنا قاطع من العقل"

ياويحهم .. ثم ياويحهم!

فما بال هؤلاء لم يؤمنوا وقد حشر عليهم كل شيء .. أم أن ذلك ليس بقاطع!!

فليعلم الفلاسفة والمتكلمون أن كل القواطع الحسية والعقلية التي يحشدونها يمكن إضرام النار فيها بمثل قول الكفار" إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ"

هي جذوة السفسطة التي ستحول العالم إلى حرائق وخرائب!

المسألة باختصار هي مسألة" من يقطع لهذا العقل القاطع!!

وليس ثمة إلا جوابان:

أن يقطع العقل لنفسه وهو كما ترى،

أن يقطع له غيره فتصبح "أصالة" العقل في خبر كان!

وقد نقول بصيغة أخرى:

لا تكون أحكام العقل قطعية إلا إذا تحققت الثقة بالعقل قبل ذلك ... فمن يضمن لنا هذه الثقة .. تلك هي المعضلة الكبرى!

انظر إلى الكفار في الآيات كيف تسوروا كل الدلائل القطعية بالتشكيك، لا في تلك الدلائل، بل في أنفسهم، أعني في العقول ووسائل الإدراك .. من يضمن لهم أنهم لم يسحروا أو يسقطوا في هلوسة جماعية!!

.... لا أحد!!! ّ

لأن هذا الضامن قد يكون من أثر ذلك السحر نفسه!!!

هي تجربة أبي حامد –رحمه الله- الحزينة التي سطرها في المنقذ من الضلال: من يضمن له أنه ليس في حلم!

وهي تجربة الفيلسوف الشهير ديكارت مع" شيطانه " الخبيث الذي يلبس عليه ويخدعه .. حتى وجد برد اليقين في الحقيقة البسيطة من مثل" أنا أفكر إذن أنا موجود " (ولست أدري لم لا تكون هذه الحقيقة البسيطة هي أيضا من تزوير شيطانه وتلبيسه!!)

والسلسلة طويلة مأساوية فيها: زينون، وأمبريقوس، وبيرون، وهيوم، وباركلي .... وغيرهم كثير.

وقف الآن على الحقيقة كما يعرضها القرآن: مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ...

"إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ" هي سر المسألة!

فلا يكون القاطع العقلي قاطعا إلا إن يشاء الله ... !

ومن مظاهر هذه المشيئة العليا "فطرة الناس” ... فليس هناك -حقيقة-مسوغ عقلي للثقة في العقل: فلا يعقل أن يستدل العقل على نفسه بنفسه، ولا يجوز أن يكون خصما وحكما في آن واحد ...

ومع ذلك فالحياة مستمرة، وللناس ألباب .. وفيهم عقلاء .. وما ذلك إلا لأن الله "غرز" في النفوس الاحتكام إلى العقول .. و"فطرهم" على ذلك ... فيكون السؤال عن" الدليل على الثقة بالعقل" هو من علامات مرض الفطرة .. ولا يعصم من جحيم السفسطة إلا فطرة الله ...

وأعظم خطر يتهدد الإنسان هو المبالغة في تدقيق العقول .. فتوكل العقول إلى نفسها وتطغى على الفطر ... فيحل الخراب!

لا يضمن الثقة في العقل إلا الله .. وللعقل أن يستدل على الله بعدها كما يشاء .. فمن الله المبتدأ وإليه المنتهى ... لا إله إلا هو.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015