فما دلالة هذا الحذف؟
أولا: توفير الوقت والجهد الذهني،
فتفحص الفرضيتين المذكورتين مع ظهور فسادهما كاف لبيان صلاحية الفرضية الباقية المطوية حتى ولو لم تخضع للاختبار .. فنوفر ثلث الوقت والجهد ... مثل ذلك أن نقول: هذه ثلاث طرق واحدة منها فقط تؤدي إلى المسجد وطريقان مسدودتان .. فيكفي أن تختبر الطريقين المسدودتين لتخرج بنتيجة قطعية هي إفضاء الطريق الثالثة إلى المسجد مع أنك لم تخط فيها خطوة واحدة ..
ثانيا: حث العقل على التأمل الذاتي،
ففساد الفرضيتين المعروضتين عليه حافز له على أن يصوغ الفرضية الثالثة التي لا مناص منها.
والآية من هذه الجهة باهرة، فهي لم تجب وإنما سألت:
-في المرحلة الأولى طرحت السؤال وتركت الجواب للمسؤول ...
-في المرحلة الثانية تركت له السؤال والجواب معا!!
ثالثا: غاية الإنصاف واجتناب أي تهمة ..
لو ذكرت الآية الخيار الثالث لقيل إن هذا إيحاء بالجواب وتنبيه عليه، لا سيما إذا كان مذكورا في الأخير، فيكون آخر ما يقرع الأذن، وآخر ما يعلق بالذاكرة، ومن ثم يكون أقرب إلى الجريان على اللسان.
ومسألة الإيحاء بالجواب مشهورة جدا في فضاء حجاجي بامتياز ألا وهو فضاء المحاكم .. فكثيرا ما يعمد المحامي إلى تلقين موكله الجواب من خلال زرعه بين مجموعة من البدائل واثقا من ذكاء المتهم ليدرك أن تلك البدائل تمويهية فقط .. ولذلك تجد المدعي العام يحتج بقولهم المشهور:"أعترض .. هذا تلقين للجواب"!
فجاءت الآية على أبلغ وجه من هذه الجهة ... فالخيار الذي تريد أن يجري على لسان المحاجج لم تذكره أصلا .. وتركت له أن يذكره لأنه لا مناص من ذكره أحب أم كره.
2 - الفكرة البديهية الواضحة التي لا يمكن دفعها ...
"أم خلقوا من غير شيء"
فكرة استحالة وجود شيء بدون علة فكرة بسيطة أولية لا يمكن الشك فيها دون أن نشك في العقل نفسه .. "أم خلقوا من غير شيء" أقوى من الكوجيتو الديكارتي نفسه .. فالطفل الصغير قد لا يعي جيدا الارتباط بين الفكر والوجود كما في عبارة ديكارت ... لكن لو صفع على قفاه لالتفت في لمح البصر إلى مصدر الصفعة ليقينه بأن الصفعة لا يمكن أن تكون من غير شيء!!!
والعجب كل العجب من المجانين –الذين يسمونهم علماء-كيف يقدرون أن هذا العالم نشأ بالصدفة، أي من غير شيء، مع أنهم يحيلون ويستهزؤون بما هو أقل بكثير من إلحادهم .. فلو قلت لهاسكلي أو راسل: يجوز أن نخرج من صندوق عود ثقاب قارة في حجم أروبا .. لسخر منك واتهمك بالجنون ... مع أنه أولى بالجنون والسخرية ... لأن إخراجك قارة من صندوق صغير هو على كل حال إخراج شيء من شيء أما هو فيزعم في العالم أنه أخرج من لا شيء!!
نفي العلية خروج عن العقل ... أي تجويز لكل شيء ...
ترى حديقة ثم تصبح في لمح البصر جبلا .. جائز.
تشتري دفترا تقلب صفحاته فتجدها بيضاء ثم تتصفحها بعد ثانية فتجدها كلها مكتوبة .. جائز.
تمد يدك لمصافحة صديقك فيصبح كرسيا .. جائز.
يلزم الملحد تجويز كل هذه الحالات .. لأنه أصلا جوز ما هو أدهى وأعظم: خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ.
أما الفرضية الثانية فلا تقل حمقا عن أختها لأنها مبنية على تناقض واضح ..
:"خلقت نفسي"
معناها أنا موجود ومعدوم في آن واحد ... أو
كنت قبل نفسي ..... أو
سقطت عيناي فرأيتهما مثل حبتي عنب على الأرض ...
إن سقطت عيناك فبماذا رأيتهما يا لكع!!!
فانظر إلى حجاج القرآن كيف يجعلك تختار العقل أو الجنون!
لا ينجيك من الشناعة والسخرية إلا أن تختار ما لم تذكره الآية أصلا ..
"شيء ما خلقك"
وإلا فهو الجنون المطبق ..
لكن من هذا الشيء الذي خلقك؟
تلك قصة أخرى ....
أو لنقل هو ذلك الذي تكلم معك قبل قليل وقال لك:
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} الطور35
ونرجو لك أن تكون قد شفيت من مرضك الأول فلم تعد تقول" كلام ولا متكلم به"!!!
ـ[البكي محمد المرتضى]ــــــــ[03 - 03 - 2010, 04:08 ص]ـ
الشكركل الشكر لك يا أبو عبد المعز فتأملاتك في حجاج القرآن كتاب ربنا العظيم لم يدع فرصة للشاك أن يشك في كلام بارى البرايا وإلا فهو مجنون العقل يشك في نفسه.
جزاك الله خير الجزاء, ستفيدني تحليلاتك هذه فيما أنوي القيام به من دراسة لإيجاز القرآن الكريم إن شاء الله ,لاتنسني في صالح دعائك بأن يوفقني العالم بكل شيء في هذا العمل الصعب المنال ,إنه سميع مجيب لدعاء عباده.