السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} قال فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجأوه إلى اليمين؟ فقالها ثلاثاً وخرجت بها نفسه ".
نود قبل أن نحلل تعليق الأعرابي على القسم القرآني أن نقف قليلا لتذوق الفن القصصي عند الأصمعي الأديب ...
يستهل الأصمعي خبره بوصف الأعرابي:
1 - جِلف جافٍ
2 - على قعود له ...
3 - متقلِّداً سيفه وبيده قوسه.
لكن إياك أن تحسب أن الأصمعي يريد أن يكررعليك "الصورة النمطية" المعهودة في المخيال العربي عن "الأعرابي"!
فقد سئم الناس أن لا يستحضروا شخص الأعرابي إلا وهو في لباس من الغلظة، وجفاء في الطبع، وخشونة عند القول،وقسوة مع الفعل، فكأنه وبعيره سويا من طينة واحدة!
كلا!
فإن الأصمعي المبدع يريد توظيف تلك الصفات ضاربا صفحا عن الرؤية النمطية لتحقيق متعة فنية وفكرية معا:
فقوله:
1 - جِلف جافٍ
لا يدرك غوره إلا إذا استحضرت معه قوله الآخر:" بصوت رقيق ... وهو ناحل مصفر".
وقوله:
2 - على قعود له ...
عاطل من الجمال إذا لم تقرنه بقوله الآخر: ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها.
وقوله:
3 - متقلِّداً سيفه وبيده قوسه.
توطئة لكي يقول:
"ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت الرَّحل"
يريد الأصمعي أن يوقفك على معنى التحول في الخلق الإنساني، والتنقل –ما أصعبه! -من الطبع إلى الطبع المضاد .. فأي مسافة تلك بين جلف ومصفر،وبين محارب مدجج ومسالم رقيق، وبين جوال آفاق وماكث مقيم ... !!!
وليس مفتاحا لهذا التحول الغريب إلا كلمة في القرآن!!
لقد أدرك الأعرابي في القسم القرآني ما لا يدركه إلا ذو سليقة ندية!
فنظر الأعرابي ليس إلى القضية التي أثارت الجدال فيكون القسم وسيلة من وسائل الإقناع، وإنما نظره إلى من جاء منه القسم ..
فلعل الأصل في القسم أن يصدر عن مريب .. فيضع قسمه في كفة كيلا تترجح الكفة الأخرى حيث التهمة ... فالقسم هنا مستساغ.
أما صدور القسم عن الصادق المشتهر صدقه فلعل فيه من إحراج المقسم له أكثر مما فيه من ترجيح المقسم عليه ... فلك أن تتصور شيخا مهيبا وقورا وهو يشرع في أن يقسم لك .. ألا يسبب لك ذلك شيئا من الحرج فتتمنى لو تضع يدك على فمه فلا يتم قسمه!!
لكن ما ظنك بقسم رب العالمين!!
هذا ما لم يحتمله ضمير الأعرابي:
ألم يصدقوه في قوله حتى ألجأوه إلى اليمين؟
فخرجت نفسه!!
لم يحتمل الأعرابي هذا التخجيل، فكأنه اجتمع عنده الحياء الذي ينبغي أن يكون موزعا عند من أقسم لهم ربهم .. فتضاعف عليه الحياء، فقضى عليه!
ـ[عمر بن إبراهيم]ــــــــ[26 - 10 - 2009, 10:34 ص]ـ
بارك الله تعالى فيك. وزادك علماً ونفعاً
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[27 - 10 - 2009, 09:02 ص]ـ
إن الترجيح في قضية غيبية هو لوحده فوق مطمح العقل الإنساني، وإلا فما هذا الركام المتزايد من القضايا العالقة منذ فجر فكر الإنسان!
لكن آية واحدة من القرآن تحسم أخطر القضايا في ...... ثمان كلمات!
فينتصب الإعجاز في بهاء مشهود:
-إعجاز في الفكرة.
-وإعجاز في العبارة.
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} الطور35
1 - الحصر منطقيا، والحذف بلاغيا:
تقتضي المنهجية السليمة في الحجاج حصر كل الفروض الممكنة -أو على الأقل الملائمة -قبل الشروع في نقدها ونقضها واحدا واحدا،فلا يبقي في نهاية المطاف إلا الفرض الصحيح الذي سنركن إليه مطمئنين ... ومنشأ هذا الاطمئنان ثقتنا المنهجية من أننا لم نغادر فرضا إلا ذكرناه وفحصناه .. فإذا صمد فرض أمام النقد نكون أمام الفرض الصحيح والوحيد ... فتطوى المسألة طيا.
إن الطريقة المثلى في الحصر هي طريقة القسمة الثنائية على محور الوجود والعدم، إذ لا واسطة بين الطرفين فيغفل عن فرض من الفروض ..
وهذا ما انتهجته الآية في الاستدلال على مسألة الخلق:
-إما أن يكون للموجود سبب،
-وإما أن لا يكون له سبب.
ثم يأتي بعد ذلك تفريع الفرضية الموجبة،إن كان له سبب فلا يخلو:
- إما أن يكون هذا السبب محايثا،
-وإما أن يكون مفارقا.
لكن الآية لم تذكر من الفروض الثلاثة إلا اثنين:
الفرض العدمي" أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ" ..
وعندما فرعت الفرض الوجودي اقتصرت على خيار:" أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ"
وطوت عن الذكر قسيم هذا الخيار وهو "شيء ما خلقهم"
¥