ملتقي اهل اللغه (صفحة 2774)

من حجاج القرآن العظيم

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[01 - 10 - 2009, 01:49 ص]ـ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الحق المبين، وعلى آله وصحبه الهداة الميامين ..

فهذه تأملات في حجاج القرآن، نستهلها بقوله تعالى:

بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ {5} مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ {6} الانبياء

لا تظهر قوة الحجاج القرآني إلا بعد شيء من التحليل:

أولا:

الخصوم متمسكون في حجاجهم بمبدأ التشابه فتكون "كاف التشبيه" بؤرةَ الحجة وأساسها:

فهم يطالبون ب"حقهم" في الآية الحسية ... على اعتبار أنهم مثْل الأولين، فإذا كان الأولون قد جاءتهم رسلهم بآيات، فيجب على رسولهم أن يأتيهم بآية من جنس ما أتى به من سبقه من الرسل!

ثانيا:

يأتي الحجاج القرآني سيلا هادرا، لأنه سيدفع الخصوم إلى أحد مضيقين:

-إما أن يهدموا قاعدتهم التي اعتمدوها في الحجاج فيعلنوا تناقضهم .. !

-وإما أن يتمسكوا بقاعدتهم فيشهدوا على أنفسهم بالسفاهة .. !

توضيحه كما يلي:

النظراء الذين حاججتم بهم جاءتهم الآيات، فلم يؤمنوا بها، فحق عليهم الهلاك ...

فإما أن تأتيكم مثل تلك الآيات فيصيبكم ما أصابهم ..

وإما أن تؤمنوا ..

فعلى الأول ستكون سفاهة، لا محالة، لأنه طلب للهلاك المحتوم ..

وعلى الثاني تنقضون قاعدة المشابهة التي استندتم إليها .. فأنتم مختلفون عن الأولين حقا، لأن أسلافكم كفروا وأنتم تدعون أنكم ستؤمنون، فقاعدة المشابهة غير مطردة عندكم، فسقطتم في التناقض القبيح: تثبتون مشابهتكم للأولين ومخالفتكم لهم في وقت واحد.!!

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[01 - 10 - 2009, 09:14 م]ـ

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} البقرة91

1 - "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ"

للتعبير بصيغة البناء للمجهول- "قيل"- مقصدية بلاغية حجاجية باهرة، فمن المعروف أن الخصم المجادل بالباطل لا يفتأ يبحث عن منافذ للمناورة، وافتعال قضايا هامشية لتناسي موضوع المناظرة .. فيجب على المناظر هنا سد جميع الثغرات وتقليل العبارات ما أمكن لتقليل فرص المراوغة ...

والدرس في الآية بليغ من هذه الجهة:

ذكر القرآن القول، وطوى صفة القائل ... ليقيد اليهود –المحجوجين-بفحوى القول وحده ويفوت عليهم فرصة نقل المناظرة من الفكرة إلى الشخص ...

فلو قيل" قال فلان كذا ... " (وسمي باسمه) فلربما طعنوا في أخلاق القائل، أو نقلوا عنه من موضع آخر ما يخالف قوله الحالي .. فيضطر المناظر إلى تعليق الكلام على مضمون الفكرة، لفتح مواضيع في الجرح والتعديل، أو تحقيق النصوص .. وقد يتشجر الكلام فلا يعودون إلى الموضوع الأصلي أبدا ...

"آمنوا بما أنزل الله"

هذا ما ينبغي قبوله أو رفضه، لا غير ...

2 - "آمنوا بما أنزل الله"

الآية جمعت الدعوى والدليل معا، لتحقيق مقصد الإيجاز ولقطع فرصة المناورة على اليهود كأن يلجؤوا إلى التهرب من الجواب عن السؤال بسؤال آخر ..

فلو قيل "آمنوا بالقرآن" مثلا-وهو المقصود أساسا-لقالوا:"ولم نؤمن بالقرآن؟ "

فتقول:"لأن الله أنزله.".وتكون قد ضيعت وقتا ثمينا في الفصل بين الدعوى ودليلها ..

وقد يثيرون تشكيكات تتعلق بمصدر القرآن ... فتضل المناظرة.

لكن صيغة القرآن: "آمنوا بما أنزل الله" لا يمكن أن يقابلها اليهود بسؤال:

"ولم نؤمن بما أنزل الله "لأن في هذا شهادة على أنفسهم بالكفر .. فتأمل!

ولأسلوب التعميم في عبارة "ما أنزل الله"نكت حجاجية أخرى:

-فمشكلة اليهود ليست في قبول القرآن أو رفضه بل مشكلتهم في التعالي على ربهم ورفض كل كتبه .. فقد كفروا بالإنجيل قبل القرآن .. وكفروا بالتوراة قبل الإنجيل أو على الأقل كفروا ببعضها ...

وهكذا فرضت الآية على اليهود مناقشة "مذهبهم في الوحي" وليس" موقفهم من القرآن" ..

فضلا عن الإشارة إلى تكرر سلوكهم عبر التاريخ كلما نزل كتاب من ربهم ... فتكون جريمة اليهود موصوفة بالعمد والإصرار وسبق الترصد ...

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015