ملتقي اهل اللغه (صفحة 2762)

-للمقطوعة إيقاع قوي منشؤه وصل روي اللام بالكاف .. ولما كان البحر قصيرا جدا فإن الثنائي الصوتي .. "لك" ... يتردد على الأذن دون انتظار طويل .. فما أن ينتهي صدى "لك"من البيت حتى يقرع الأذن صوت "لك"الموالية في البيت اللاحق ... بسبب قلة المدة الزمنية الفاصلة بين نهايات الأبيات ..

المقطوعة في نظري من باب لزوم ما لا يلزم ....

فالكاف صوت قوي مشهود صالح لان يكون رويا عكس الهاء وقد صدق التنوحي في قوله:

(والكاف التي للخطاب في المذكر والمؤنث، فإنهما وإن كانا في الإضمار بمنزلة هاء أكرمه وشتمه فإنهما قويان، وتستعملان في الروي استعمال الميم والنون، .....

وقد زعم بعضهم أن كاف الخطاب في مثل قولك: حمدك وشكرك لا تكون رويا إلا أن تشاركها كاف أصلية، واحتج بأن هذا اللفظ لو رد إلى الغائب لتغيرت الكاف وصارت هاء، فالكاف في موضع ما لا تكون رويا).

قلت:

ما زعمه هؤلاء خطأ محض،لأنهم أدخلوا في العروض اعتبارات نحوية /صرفية لا قيمة لها إيقاعيا ... فالعروض موجه للأذن فقط، والأذن لا تفرق بين الكاف في" فَهَلَك" والكاف في " قَتَلك" ... الأذن تسمع ولا شأن لها بالإعراب!

2 - ما يثير الانتباه في المقطوعة هو الاستهلال بالخبر في بيت الأول:

طافَ يَبغي نجوةً ... من هلاكٍ فَهَلَك

حيث الضمير العائد على السليك هو ضمير الغائب،

ثم تتمحض بقية القصيدة لأسلوب الخطاب ... فيكون الضمير العائد عليه هو كاف الخطاب.

خطر لي توجيهان في تفسير هذا التحول الأسلوبي:

1 - أن يكون البيت الأول" حكاية للخبر" الذي جاء الشاعرة عن مصرع ابنها .. ذلك الخبر الذي تردد صداه في وعيها ففجر فيها تلك المناجاة التي ستخلل القصيدة كلها.

طافَ يَبغي نجوةً ... من هلاكٍ فَهَلَك

هذا كلام "الشاهد على المصرع" هو خليق بمتفرج يعتمد العين لا الفؤاد .. العين تصف الطريدة في محاولاتها النجاة بدون أدنى انفعال .. ثم تصف المصير المحتوم بكل برودة "فَهَلَك"!

لَيت شِعري ضلّةً .. أيّ شيءٍ قَتَلك

وهذا كلام "الشاعر بالمصرع" هو خليق بالأم التي" تشعر" ولا "ترى" ...

"طافَ يَبغي نجوةً ... "

وصف بارد عقلي خبري خال من الإ‘حساس مثل الأنباء التي تحملها قصاصات الأخبار ...

أو حصاة تلقى في بركة ...

ثم يتحول "الخبر" إلى "إنشاء" أي يتسرب إلى أعماق الحس والشعورلتبدأ المناحة ...

أو قل تنداح التموجات والذبذبات والاهتزازات في الدوائر الشعورية الناشئة عن "حصاة" الخبرالتي ألقيت في السمع!!

لَيت شِعري ضلّةً ... إلخ ..

2 - أو أن تكون الشاعرة استهلت قصيدتها "طافَ يَبغي نجوةً ... " فوقع في روعها أنها قد ساهمت في تغييب ابنها الذي يتعرض الآن لنوعين من التغييب:

- التغييب الوجودي فقد مات ..

-التغييب الذكري من خلال التعبير بضمير "هو" في زمان الماضي:"طاف" ..

فاستدركت الأمر فرأت أن لا يتمالأ الوجود والشعر على تغييب السليك ... فلا أقل من استحضار الفقيد شعريا مادام استحضاره واقعيا محال .. وليس الشعر إلا تأسيسا للعالم المنشود فليحضر السليك في القصيدة إذن!! فليكن شاهدا سميعا في الهنيهة الحاضرة يسأل ويخاطب:

"أي شيء قتلك .. "

كما اعتادت في الأيام الخوالي أن تعاتب ابنها كأي أم في الدنيا:

أي شيء أخرك!!!

3 - أَمريض لم تُعَد .. أم عدوٌّ خَتَلَك ...

من أجمل الأبيات!

أَمريض لم تُعَد ...

يمتزج هنا احساسان:

-الحرمان

-الحسرة.

الحرمان باعتبار الابن فهو مريض ولكن لا مؤنس له أو زائر.

الحسرة من جانب الأم، فالأم لا يخفف عنها إلا أن تكون بجانب ابنها المريض مواسية ومطببة تمر براحتها على الوجه المصفر أو تبلل بالماء الجبين المحموم ... لكن السلكة محرومة من هذه الوظيفة .. فيأتي إلى الوعي السؤال الذي لا مناص منه:

ترى من يقوم مقامها هناك ..

"أَمريض لم تُعَد ... !! "

لكن السلكة تنتبه فجأة .. فيرغمها" الحس الثقافي" على تناسي" الحس العاطفي" ولو للحظة .. فيكون الاحتراس:

أن ابنها لم يعد طفلا ليربت على شعره ... وليس من الوفاء للفقيد أن يبرز للناس في مثل هذه الهيئة .... فهو رجل لا كالرجال ... صعلوك يعشق المخاطر والأهوال.

فأولى به ألا يموت محموما على فراش االمرض .. بل:

"عدوٌّ خَتَلَك"

هذا هو اللائق بالصعلوك أن يموت في معركة فقط ...

ويموت فيها غيلة فقط ..

فهو أشجع وأحذق .. فلا يتمكن منه غيره إلاإذا استعانوا عليه بالختل والتمسكن.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015