ملتقي اهل اللغه (صفحة 2761)

المرسل إليه: القعقاع.

الرسالة:القصيدة.

القناة:الرياح.

الملاحظ أن الشاعر قدم ذكر الرياح التي هي القناة الحاملة للرسالة قبل العناصر الأخرى لتوقف مقصد الانتشار عليها .. فليس المهم –هنا على الأقل-مضمون القصيدة، أو مبدعها، أو المعني بها،بقدر ما يهم انتقالها في الآفاق بسرعة .. فلا جرم أن وظف" المسيب " صيغة الجمع (الرياحِ) مستهدفا لاستغراق جميع الأمكنة فضلا عن السرعة في طي المسافات ...

2 -

مُغَلْغَلة

هذه الصفة -ذات التعددية الدلالية -تظهر وجوها ثلاثة للقصيدة المرسلة بناء على المعاني المعجمية التالية:

الغَلْغَلَة: دخول الشيء في الشيء حتى يخالطه. غلْغَلَ في الشيء، وتَغَلْغَلَ في الشجر، إذا دخل في أغصانه.

الغلغلة: الجلد إذا نَهِكَه الدِّباغ قيل أديمٌ مُغلْغَل .. (كما في المخصص).

الغلغلة: رِسالَةٌ مُغَلْغَلَةٌ: مَحْمُولةٌ من بلدٍ إلى بلَدٍ ...

فعلى الأول يكون الوصف للقصيدة على محور علاقتها بالمتلقي: تتغلغل في النفوس وتنفذ إلى القلوب.

وعلى الثاني يكون الوصف للقصيدة على محور علاقتها بالشاعر مبدعها: حبكها وأتقنها وثقفها مثلما يفعل الدباغ بالأديم ..

وعلى الثالث يكون الوصف للقصيدة على محور علاقتها بالقناة الحاملة: انتقال من بلد إلى بلد ..

والمعنى الأخير أظهر .. لأنه المتسق مع السياق أولا، ولشيوع استعمال هذا الوصف- حتى أن الصفة قامت مقام الموصوف مع فعل البلاغ -ثانيا ...

قال شاعر:

أَبْلِغْ أبا مِسْمَعٍ عنِّي مُغَلْغَلَةً ... وفي العِتابِ حَياةٌ بينَ أقوامِ.

قال غيره:

أَبْلِغْ بَني كاهِلٍ عَني مُغَلْغَلَةً ... والقَوْمُ مِنْ دونِهِمْ سَعْيا فمَرْكُوبُ

قال آخر:

ألا من مُبْلِغُ الحُرَّيْنِ عَنِّي ... مُغَلْغَلَةً وخُصَّ بها أَبِيَّا.

3 -

تَرِدُ المِياهَ

تعبير جميل جدا من أربعة وجوه:

أولا:

تصعيد بلاغي في وصف حركية انتشار القصيدة ... فالقصيدة الآن لها حركية ذاتية مستغنية عن الرياح وغيرها، ترد الماء من تلقاء نفسها كأي كائن عاقل حر!

ثانيا:

الماء هو المكان الذي لا بد أن يقصده الناس مرغمين ... فكأن القصيدة "اهتدت بذكائها" إلى أن موارد الماء هو المكان الأنسب للشيوع والانتشار ..

ثالثا:

تصعيد بلاغي مرة أخرى ففي البيت الأول كانت القصيدة هي التي تذهب إلى الناس محمولة على أجنحة الرياح .. أما الآن فقد شرفت وتعززت فأصبح الناس هم الذين يأتون إليها- إلى موارد الماء-

رابعا:

تشخيص القصيدة وتعقيلها بحيث أصبحت فردا من الناس تعطش وتحتاج إلى الماء وترده مع من يرد منهم!!

4 -

فما تزالُ غَريبةً ... في القومِ بين تَمثُّلٍ وسماع

حركية أخرى للقصيدة لكن من نوع آخر:

في البدء كانت الحركة طبيعية سماوية:" فَلأَهْدِيَنَّ مع الرياحِ قصيدةً .. "

ثم كانت حركة طبيعية أرضية: "تَرِدُ المِياه ... َ"

وهاهي الآن حركة ثقافية عقلية: من شفاه إلى آذان ومن آذان إلى أفئدة ..

قصيدة غريبة ..

لكن الغرابة هنا ليس بمعنى التوحش الذي يثير التوجس ... -والإنسان يخشى بفطرته كل ما هو غريب غير مألوف-

بل بمعنى الندارة والعزة .. فهي ليس لها مثيل، نسيج وحدها،ومن ثم يجب التهافت عليها والتنافس في اقتنائها والمبادرة إلى حيازتها لأنها إن لم تقع في اليد فقد حرمها الإنسان إلى الأبد إذ لا ثاني لها .. " فما تزالُ غَريبةً"

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[27 - 11 - 2009, 01:40 م]ـ

قالت السلكة أم السليك:

طافَ يَبغي نجوةً ... من هلاكٍ فَهَلَك

لَيت شِعري ضلّةً .. أيّ شيءٍ قَتَلك

أَمريض لم تُعَد .. أم عدوٌّ خَتَلَك

أَم تولّى بكَ ما .. غال في الدهرِ السُّلَك

وَالمَنايا رصدٌ .. لِلفَتى حَيثُ سَلَك

أي شيء حسن .. لفتى لم يك لك

كلّ شيءٍ قاتلٌ .. حينَ تلقى أَجَلَك

طال ما قد نلت في .. غير كدً أملك

إِنّ أَمراً فادحاً .. عَن جَوابي شَغَلك

سَأُعزّي النفسَ إِذ .. لَم تُجِب مَن سَأَلَك

لَيتَ قَلبي ساعةً .. صبرهُ عَنك مَلَك

لَيتَ نَفسي قُدّمَت .. لِلمَنايا بَدَلَك

هذه المقطوعة من عيون الشعر الإنساني، كنت أشتهي أن أتتبعها بيتا بيتا، فخشيت أن أسيء إليها فلا شيء أضر على حرارة العاطفة من برودة العقل المتأمل!!،وفضلت أن يقتصر التحليل على مطلعها (ثلاث أبيات):

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015