ملتقي اهل اللغه (صفحة 2747)

ـ[أحمد شاهد]ــــــــ[01 - 01 - 2010, 10:04 م]ـ

جزاكم الله خيرا على هذا العمل الرائع

ـ[عائشة]ــــــــ[02 - 01 - 2010, 07:20 م]ـ

لا تُهْمِلِ الفِكْرةَ في كُلِّ سورةٍ افتُتِحَتْ بالحروفِ المقطَّعةِ!

قال الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمه الله-:

(الصَّحيح أنَّ (ن) و (ق) و (ص) مِن حروف الهجاء الَّتي يفتتح بها الرَّبُّ -سبحانه- بعضَ السُّوَر، وهي أُحاديَّة، وثنائيَّة، وثلاثيَّة، ورباعيَّة، وخماسيَّة، ولَمْ تُجاوِزِ الخمسةَ، ولم تُذْكَرْ قَطُّ في أَوَّلِ سورةٍ إلاَّ وعَقِبها [يُذْكَرُ] القرآنُ، إمَّا مُقْسَمًا بهِ، وإمَّا مُخْبَرًا عنه -ما خلا سورتين: سورة (كهيعص) و (ن) -؛ كقوله: ((الم - ذلك الكتابُ))، ((الم - الله لا إله إلاَّ هُوَ الحَيُّ القيُّومُ - نَزَّلَ عليك الكِتابَ))، ((المص - كتابٌ أُنزِلَ إليكَ))، (المر تلك آياتُ الكِتابِ))، وهكذا إلى آخره.

ففي هذا تنبيهٌ علَى شَرَفِ هذه الحروف، وعظم قَدْرِها، وجلالتها؛ إذ هي مباني كلامِه وكتبِه الَّتي تكلَّم -سبحانه- بها، وأنزلها على رسله، وهدَى بها عبادَه، وعرَّفهم بواسطتها نفسَه، وأسماءه، وصفاتِه، وأفعالَه، وأمرَه، ونهيَه، ووعيدَه، ووَعْدَه، وعرَّفهم بها الخيرَ، والشَّرَّ، والحسنَ، والقبيحَ، وأَقْدَرَهم على التَّكلُّم بها؛ بحيث يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم، بأسهل طريقٍ، وقلَّة كلفةٍ ومشقَّة، وأوصلَه إلى المقصودِ، وأدلَّه عليه؛ وهذا مِنْ أعظمِ نِعَمِه عليهم، كما هو من أعظم آياتِه؛ ولهذا عاب -سبحانه- علَى من عَبَدَ إلهًا لا يتكلَّم، وامتنَّ علَى عبادِه بأن أقدَرَهم على البيانِ بها بالتكلُّم؛ فكان في ذكر هذه الحروف: التَّنبيه على كمال ربوبيَّته، وكمال إحسانه وإنعامه؛ فهي أَوْلَى أن يُّقْسَمَ بها من اللَّيلِ، والنَّهار، والشَّمس، والقمر، والسَّماء، والنُّجوم، وغيرها من المخلوقات؛ فهي دالَّةٌ -أظهرَ دلالةٍ- علَى وحدانيَّته، وقدرته، وحكمته، وكماله، وكلامه، وصِدْقِ رُسُلِهِ.

وقد جَمَعَ -سبحانه- بين الأمرَيْن؛ أعني: القرآن، ونطق اللِّسان، وجعل تعليمها من تمام نعمته وامتنانه؛ كما قالَ: ((الرَّحمنُ - علَّمَ القرآنَ - خَلَقَ الإنسانَ - عَلَّمَهُ البيانَ)).

فبهذه الحروف علَّم القرآن، وبها علَّم البيانَ، وبها فضَّلَ الإنسانَ على سائرِ أنواع الحيوانِ، وبها أنزل كُتُبَهُ، وبها أرسل رُسُلَه، وبها جُمِعَتِ العلومُ وحُفِظَتْ، وبها انتظمت مصالح العباد في المعاشِ والمعادِ، وبها يتميَّز الحقُّ من الباطلِ، والصَّحيح من الفاسد، وبها جُمِعَتْ أشتات العلوم، وبها أمكن تنقُّلها في الأذهانِ، وكم جُلِبَ بها من نعمةٍ، ودُفِعَ بها من نقمةٍ، وأُقيلَتْ بها من عَثْرةٍ، وأُقيمَتْ بها من حُرمةٍ، وهُدِيَ بها من ضلالةٍ، وأُقيمَ بها مِنْ حَقٍّ، وهُدِمَ بها من باطلٍ!

فآياتُه -سبحانه- في تعليم البيانِ كآياته في خَلْقِ الإنسانِ، و:

لَوْلاَ عَجائبُ صُنْعِ اللهِ ما ثبتَتْ * تلك الفضائلُ في لَحْمٍ ولا عَصَبِ

فسبحانَ مَنْ هذا صُنْعُهُ في هواءٍ يخرجُ من قَصَبةِ الرِّئةِ، فينضمُّ في الحُلْقومِ، وينفرشُ في أقصى الحَلْقِ، ووسطه، وآخرِه، وأعلاه، وأسفله، وعلَى وسط اللِّسان، وأطرافه، وبين الثَّنايا، وفي الشَّفتين، والخيشوم؛ فيُسمَعُ له عند كلِّ مقطعٍ من تلك المقاطعِ صوتٌ غير صوت المَقْطَعِ المجاورِ له؛ فإذا هو حرفٌ.

فألهمَ -سبحانه- الإنسانَ بضمِّ بعضِها إلى بعضٍ؛ فإذا هي كلماتٌ قائمةٌ بأنفسها، ثم ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض؛ [فإذا] هي كلامٌ دالٌّ على أنواعِ المعاني: أمرًا، ونهيًا، وخبرًا، واستخبارًا، ونفيًا، وإثباتًا، وإقرارًا، وإنكارًا، وتصديقًا، وتكذيبًا، وإيجابًا، واستحبابًا، وسؤالاً، وجوابًا، إلى غير ذلك من أنواعِ الخطابِ؛ نَظْمِه، ونَثْرِهِ، ووجيزِه، ومُطَوَّلِه، على اختلاف لغات الخلائقِ. كلُّ ذلك صنعته -تبارك وتعالى- في هواءٍ مجرَّدٍ، خارجٍ من باطن الإنسان إلى ظاهرِه، في مجارٍ قد هُيِّئَتْ وأُعِدَّت لتقطيعِه وتفصيلِه، ثمَّ تأليفِه وتوصيلِه؛ فتبارك الله ربُّ العالمينَ، وأحسن الخالقينَ!

فهذا شَأْنُ الحَرْفِ المخلوقِ.

وأمَّا الحرف الَّذي به تكونُ المخلوقاتُ؛ فشأنُه أعلَى وأجلُّ.

وإذا كان هذا شأنُ الحروف؛ فحقيقٌ أن تُفتتَحَ بها السُّور كما افتُتِحَتْ بالأقسامِ؛ لِمَا فيها من آيات الرُّبوبيَّة، وأدلَّة الوحدانيَّة؛ فهي دالَّةٌ على كمال قدرتِه -سبحانه-، وكمالِ عِلْمِه، وكمال حكمته، وكمال رحمته، وعنايته بخلقه، ولطفه، وإحسانه.

وإذا أعطيتَ الاستدلالَ بها حَقَّهُ؛ استدلَلْتَ بها على المبدإِ، والمعاد، والخلقِ، والأمرِ، والتَّوحيدِ، والرِّسالةِ؛ فهي مِنْ أظهرِ أدلَّة شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، تكلَّم به حقًّا، وأنزلَه على رسوله وَحْيًا، وبلَّغَه كما أوحَى إليه صِدْقًا.

ولا تُهْمِلِ الفِكْرةَ في كُلِّ سورةٍ افتُتِحَتْ بهذه الحروفِ، واشتمالها علَى آيات هذه المطالب وتقريرها، وبالله التَّوفيق) انتهى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015