ملتقي اهل اللغه (صفحة 2746)

وأمَّا ذِكْره تبديلَ أمثالهم؛ ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان؛ فقال في الواقعة: ((نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الموتَ وما نَحْنُ بِمَسْبوقينَ - علَى أن نُّبَدِّلَ أمثالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فيما لا تَعْلَمونَ))، وقال في سورة الإنسان: ((نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وإذا شِئْنَا بَدَّلْنا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً)). قال كثيرٌ من المفسِّرينَ: المعنى: أنَّا إذا أردنا أن نخلقَ خلقًا غيرَكم؛ لم يسبقنا سابقٌ، ولم يَفُتْنا ذلك، وفي قوله ((وإذا شِئْنَا بَدَّلْنا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً)): إذا شئنا؛ أهلكناهم، وأتينا بأشباههم؛ فجعلناهم بدلاً منهم. قال المَهْدَوِيُّ: قومًا موافقين لهم في الخَلْقِ، مُخالفين لهم في العَمَلِ. ولَمْ يَذْكُرِ الواحديُّ ولا ابن الجوزيِّ غيرَ هذا القولِ.

وعلَى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى: ((إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيُّها النَّاسُ ويَأْتِ بآخَرِينَ))؛ فيكون [استدلالُه] بقُدْرتِهِ على إذهابِهم، والإتيان بأمثالهم= على إتيانِه بهم أنفسهم إذا ماتوا.

ثمَّ استدلَّ -سبحانه- بالنَّشأة الأولى؛ فذكَّرهم بها؛ فقال: ((ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ))؛ فنبَّههم بما عَلِموه وعاينوه على صدقِ ما أخْبَرَتْهُمْ به رسلُه من النَّشأة الثَّانيةِ.

والَّذي عندي في معنى هاتين الآيتينِ -وهما آية الواقعة والإنسان-: أنَّ المراد بتبديل أمثالهم: الخلق الجديد، والنَّشأة الآخرة الَّتي وُعِدوا بها.

وقد وُفِّقَ الزَّمخشريُّ لفَهْمِ هذا من سورة الإنسان؛ فقال: وبدَّلنا أمثالهم في شدَّة الأَسْرِ؛ يعني: النَّشأة الأُخرَى. ثمَّ قال: وقيل: وبدَّلنا غيرَهم ممَّن يطيعُ، وحقُّه أن يأتي بـ (إن) لا بـ (إذا)؛ كقوله: ((وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ)).

قلتُ: وإتيانُه بـ (إذا) -الَّتي لا تكون إلاَّ [للمحقَّقِ] الوقوع- يدلُّ على تحقُّق وقوع هذا التَّبديلِ، وأنَّه واقعٌ لا محالةَ، وذلك هو النَّشأة الأُخرى الَّتي استدلَّ على إمكانها بقوله: ((ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى))، واستدلَّ بالمثل على المثلِ، وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه.

وكونهم أمثالهم: هو إنشاؤهم خلقًا جديدًا بعينهِ؛ فهُمْ هُمْ بأعيانهم، وهم أمثالهم؛ فهُمْ أنفسُهم يُعَادُونَ.

فإذا قلتَ: المُعادُ هذا هو الأوَّل بعَينِه؛ صَدَقْتَ، وإنْ قُلْتَ: هو مثلُه؛ صَدَقْتَ؛ فهُوَ هُوَ مُعاد، أو هو مثل الأوَّل.

وقد أوضح هذا -سبحانه- بقوله: ((بَلْ هُمْ في لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَديدٍ)) فهذا الخلق الجديد هو المتضمِّن لكونهم أمثالَهم. وقد سماه اللهُ -سبحانه وتعالى- إعادةً، والمعاد مثل المبدأ، وسماه نشأة أُخْرَى؛ وهي مثل الأُولى، وسمَّاه خَلْقًا جديدا؛ وهو مثل الخلق الأوَّل؛ كما قال: ((أَفَعَيينَا بالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هُمْ في لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَديدٍ)) وسمَّاه أمثالاً؛ وهم هم؛ فتطابقت ألفاظُ القرآن، وصدَّق بعضُها بعضًا، وبيَّن بعضُها بعضًا. [وبهذا] تزول إشكالاتٌ أوردها مَن لَّمْ يَفْهَمِ المعادَ الذي أخبرت به الرُّسل عن الله. ولا يُفْهَمُ من هذا القولِ ما قاله بعض المتأخِّرين أنَّهم غيرهم من كلِّ وَجْهٍ؛ فهذا خطأٌ قطعًا -معاذ الله من اعتقاده-؛ بل هم أمثالهم، وهم أعيانهم. فإذا فُهِمَتِ الحقائقُ؛ فلا يناقِشُ في العبارة إلاَّ ضيِّقُ العَطَن، صغيرُ العَقْلِ، ضعيفُ العِلْمِ.

وتأمَّل قوله تعالى في الواقعةِ: ((أفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ - أأنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الخالِقُونَ - نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الموتَ)) كيف ذكر مبدأَ النَّشأة وآخِرَها، مُسْتَدِلاًّ بها علَى النَّشأة الثَّانيةِ بقوله: ((وما نَحْنُ بِمَسْبوقينَ - علَى أن نُّبَدِّلَ أمثالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فيما لا تَعْلَمونَ))؛ فإنَّكم إنَّما علمتُم النَّشأة الأُولى في بطون أُمَّهاتكم، ومبدأها ممَّا تُمنونَ، ولن نُّغلَبَ على أن ننشئكم نشأةً ثانيةً فيما لا تعلمونَ؛ فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدُّنيا -في صُوَرِكُم وهيئاتكم-. وهذا من كمال قدرة الرَّبِّ تعالى ومشيئته، لو تذكَّرتم أحوال النَّشأة الأُولى؛ لدلَّكم ذلك على قُدْرَةِ مُنشئها على النَّشأة الَّتي كذَّبتُم بها؛ فأيُّ استدلالٍ وإرشادٍ أحسنُ مِن هذا، وأقرب إلى العقل والفهم، وأبعد من كلِّ شبهة وشَكٍّ؟ وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلاَّ الكفر باللهِ، وما جاءت به الرُّسل [أو] الإيمان.

وقال في سورة الإنسان: ((نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وشَدَدْنا أَسْرَهُمْ))؛ فهذه النَّشأة الأُولى, ثم قال: ((وإذا شِئْنَا بَدَّلْنا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً))؛ فهذه النَّشأة الأُخْرَى. ونظيرُ هذا: ((وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنثَى - مِن نُّطْفَةٍ إذَا تُمْنَى - وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى))، وهذا في القرآنِ كثيرًا جِدًّا، يَقْرِنُ بين النَّشأتينِ، مُذَكِّرًا للفِطَرِ والعُقولِ بإحداهما على الأُخْرَى، وبالله التَّوفيقُ) انتهى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015