وقد ذكر الله تعالى هذا المعنَى في ثلاثة مواضع من كتابه:
هذا أحدها.
والثاني قوله: ((وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا - فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)).
والثالث قوله: ((سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى - إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ)).
فضَمِنَ لرسوله أن لا ينسى ما أقرأه إيَّاه، وهذا يتناول القراءة وما بعدها) انتهى.
?كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ?
قال الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمه الله-:
(وقد ذمَّ الله -سبحانه- في هذه السُّورة من يؤثرُ العاجلةَ على الآجلةِ -وهذا لاستعجاله بالتمتُّع بما يفنَى، وإيثاره علَى ما يبقَى-، ورتَّب كلَّ ذمٍّ ووعيد -في هذه السُّورةِ- علَى هذا الاستعجالِ، ومحبَّة العاجلة:
فإرادتُه أن يفجرَ أمامه: هو مِن استعجاله، وحُبِّ العاجلةِ.
وتكذيبُه بيومِ القيامةِ: من فرط حبِّ العاجلةِ، وإيثاره لها، واستعجاله بنصيبه، وتمتُّعه به قبلَ أوانهِ، ولولا حُبُّ العاجلةِ، وطلب الاستعجالِ؛ لتمتَّع به في الآجلةِ أكمل ما يكونُ.
وكذلك: تكذيبُه، وتولِّيه، وتركُ الصَّلاةِ: هو من استعجاله، ومحبَّته العاجلةَ.
والرَّبُّ -سبحانه- وصف نفسه بضدِّ ذلك؛ فلم يَعْجَل علَى عبده؛ بل أمهلَهُ إلى أن بَلَغَتِ الرُّوحُ التَّراقيَ، وأيقنَ بالموتِ، وهو إلى هذه الحالِ مستمرٌّ على التَّكذيبِ والتولِّي، والرَّبُّ تعالَى لا يُعاجِلُهُ؛ بل يُمْهِلُهُ، ويُحدِثُ له الذِّكْرَ شيئًا بعد شَيْءٍ، ويصرِّف له الآياتِ، ويضربُ له الأمثالَ، ويُنبِّهُه على مبدئهِ؛ مِن كونه نطفة من منيٍّ يُّمنَى، ثم علقةً، ثمَّ خَلْقًا سَوِيًّا؛ فلم يعجَلْ عليه بالخلقِ وهلةً واحدةً، ولا بالعقوبة إذ كذَّب خَبَرَهُ، وعصَى أَمْرَهُ؛ بل كان خَلْقُهُ وأَمْرُهُ وجزاؤُه بعد تمهيلٍ، وتدريجٍ، وأناةٍ؛ ولهذا ذمَّ الإنسانَ بالعَجَلةِ بقوله: ((وكانَ الإنسانُ عَجولاً))، وقال: ((خُلِقَ الإنسانُ مِنْ عَجَلٍ سأُريكُمْ آياتي فلا تَسْتَعْجِلونِ))) انتهى.
ـ[عائشة]ــــــــ[28 - 12 - 2009, 09:11 ص]ـ
الفَرْقُ بين (رَبْطِ الشَّيءِ) و (الرَّبطِ عَلَيْهِ)
قال الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمه الله-:
(ومعنَى الرَّبط -في اللُّغةِ-: الشَّدُّ؛ ولهذا يُقالُ لكُلِّ مَن صَبَرَ عَلَى أَمْرٍ: رَبَطَ قَلْبَهُ؛ كأنَّه حَبَسَ قَلْبَهُ عَنِ الاضطرابِ، ومِنْه يُقالُ: هُوَ رابِطُ الجَأْشِ.
وقد ظنَّ الواحِديُّ أنَّ (علَى) زائدةٌ، والمعنَى: يربط قلوبَكم. ولَيْسَ كما ظَنَّ؛ بل بينَ رَبْط الشَّيءِ والرَّبْط عليهِ فرقٌ ظاهرٌ؛ فإنَّه يُقالُ: رَبَطَ الفَرَسَ والدَّابَّةَ، ولا يُقالُ: رَبَطَ عَلَيْهَا. فإذا أحاطَ الرَّبْطُ بالشَّيءِ وعَمَّهُ؛ قيلَ: رَبَطَ عَلَيْهِ؛ كأنَّه أحاطَ عليه بالرَّبْطِ؛ فلهذا قيلَ: رَبَطَ عَلَى قَلْبِهِ، وكانَ أحسنَ مِن أن يُّقالَ: رَبَطَ قَلْبَهُ) انتهى.
ـ[عائشة]ــــــــ[29 - 12 - 2009, 02:33 م]ـ
خاتمة سورة الحاقَّة ومُناسبتها لما قبلها
قال الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمه الله-:
(ثمَّ خَتَمَ السُّورةَ بقوله: ((فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظيمِ))، وهي جديرةٌ بهذه الخاتمةِ؛ لِمَا تضمَّنَتْهُ مِنَ الإخبارِ عن عَظَمةِ الرَّبِّ تعالى وجلالِه، وذِكْرِ عَظَمَةِ مُلْكِهِ، وجَرَيان حُكْمِه بالعَدْلِ علَى عبادِه في الدُّنيا والآخرة، وذِكْرِ عَظَمتِهِ تعالى في إرسالِ رسولِه، وإنزال كتابِه، وأنَّه تعالى أعظمُ وأجلُّ وأكبرُ -عند أهل سماواته والمؤمنين من عبادِه- مِنْ أن يُّقِرَّ [كذَّابًا متقوِّلاً عليه، مفتريًا عليه]، يُبدِّل دينَه، وينسخُ شرائعَه، ويقتلُ عبادَه، ويخبرُ عنه بما لا حقيقةَ له، وهو -سبحانه- مع ذلك يُؤيِّده، وينصرُه، ويجيبُ دعواته، ويأخذ أعداءه، ويرفعُ قَدْرَه، ويُعلي ذِكْرَه؛ فهو -سبحانه- العظيمُ؛ الَّذي تأبَى عظمتُه أن يفعل ذلك بمَنْ أَتَى بأقبحِ أنواع الكَذِبِ، والظُّلم. فسبحانَ ربِّنا العظيم، وتعالَى عما ينسبُه إليهِ الجاهلونَ عُلُوًّا كبيرًا) انتهى.
تنبيه:
¥