وينظر إلى هذا المعنى ويُناسبُه قوله: ((إنَّ لَكَ ألاَّ تجوعَ فيها ولا تَعْرَى - وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فيها ولا تَضْحَى))؛ فقابل بين الجوع والعُرْيِ؛ لأنَّ الجوعَ ذلُّ الباطنِ، والعُرْيَ ذلُّ الظاهرِ، وقابَلَ بين الظَّمإِ؛ وهو حَرُّ الباطنِ، والضُّحِيِّ؛ وهو حَرُّ الظَّاهرِ بالبُروز للشَّمس.
وقريبٌ من هذا قوله: ((وتزوَّدوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)) في ذكر الزَّاد الظَّاهر الحسّيِّ، والزَّاد الباطنِ المعنويِّ؛ فهذا زاد سَفَرِ الدُّنيا، وهذا زاد سَفَرِ الآخرةِ.
ويُلِمُّ به قولُ هود: ((ويا قوم استَغْفِروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إليهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ويَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ))؛ فالأوَّل القُوَّة الظَّاهرة المنفصلة عنهم، والثَّاني الباطنة المتَّصلة بهم.
ويُشبِهُهُ قوله: ((فما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا نَاصِرٍ))؛ فنفَى عنهم الدَّافعَيْن: الدافع من أنفسهم، والدَّافِع مِنْ خارجٍ؛ وهو النَّاصر) انتهى.
وقال -رحمه الله- في موضعٍ آخَر:
(ثمَّ قال تعالَى: ((خاشِعةً أبصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ))؛ فوصفهم بذُلِّ الظَّاهر؛ وهو خشوع الأبصارِ، وذُلِّ الباطن؛ وهو ما يرهقهم من الذُّلِّ، خشعت عنه أبصارُهم.
وقريبٌ من هذا قولُه: ((ووجوهٌ يومئذٍ باسِرةٌ - تظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فاقِرةٌ))، ونظيرُه قولُه: ((وتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ كأنَّما أُغْشِيَتْ وُجوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيلِ مُظْلِمًا)).
وضدُّ هذا قولُه تعالَى: ((إنَّ لَكَ ألاَّ تجوعَ فيها ولا تَعْرَى))؛ فنفى عنه الجُوعَ؛ الَّذي هو ذُلُّ الباطنِ، والعُرْيَ؛ الَّذي هو ذُلُّ الظَّاهر.
وضدُّه -أيضًا- قولُه: ((ولقَّاهُمْ نَضْرَةً وسُرورًا))؛ فالنَّضرة: عِزُّ الظَّاهر وجمالُه، والسُّرور: عِزُّ الباطن وجمالُه.
ومثله -أيضًا- قوله: ((عالِيَهُم ثيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهورًا))؛ فجمع لهم بين زينة الظَّاهر والباطنِ.
ومثله قوله: ((يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ولِباسُ التَّقْوَى ذلك خَيْرٌ))؛ فجمع لهم بين زينة الظَّاهرِ والباطنِ.
ومثله قوله ((إنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بزينَةٍ الكَوَاكِبِ - وحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطانٍ مَّارِدٍ))؛ فزيَّن ظاهرَها بالنُّجوم، وباطنَها بالحفظ مِن كُلِّ شيطان رَّجيمٍ.
ومثله قوله -أيضًا-: ((وصَوَّرَكُمْ فأحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ)).
وقريب منه قوله تعالى: ((وتزوَّدوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)).
ومنه قوله: ((يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجوهٌ وتَسْوَدُّ وجوهٌ فأمَّا الَّذينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إيمانِكُم فذُوقُوا العذابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ - وأمَّا الَّذينَ ابْيَضَّتْ وُجوهُهُمْ ففي رحمةِ اللهِ هُمْ فيها خالدونَ))؛ فجمع لهؤلاء بين جمال الظَّاهر والباطنِ، ولأولئك بين تسويد الظَّاهر والباطنِ.
ومنه قول امرأة العزيزِ: ((فذلكُنَّ الَّذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ رَاودتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ))؛ فوَصَفَتْ ظاهرَه بالجمالِ، وباطنَه بالعِفَّةِ؛ فوصفته بجمال الظَّاهر والباطنِ؛ فكأنها قالَتْ: هذا ظاهرُه، وباطنُه أحسنُ مِن ظاهرِهِ.
وهذا كُلُّه يَدُلُّكَ علَى ارتباطِ الظَّاهر بالباطنِ قَدَرًا وشَرْعًا، واللهُ أعلمُ بالصَّوابِ) انتهى.
ـ[عائشة]ــــــــ[25 - 12 - 2009, 07:23 م]ـ
?لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ?
قال ابن القيِّم -رحمه الله-:
(ومن أسرارها [سورة القيامة] أنها تضمَّنت التَّأني والتثبُّت في تلقِّي العلم، وأن لا يحمل السَّامع شدَّة محبَّته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلِّم بالأخذ قبل فراغِه مِن كلامه؛ بل مِنْ آداب الرَّبِّ الَّتي أدَّب بها نبيَّه: أمره بترك الاستعجالِ على تلقِّي الوَحْي؛ بل يصبر إلى أن يفرغ جبريلُ مِن قراءته، ثمَّ يقرأه بعد فراغه عليه. فهكذا ينبغي لطالبِ العلم ولسامعه: أن يَّصبرَ على معلِّمه حتى يقضيَ كلامه، ثمَّ يعيده عليه، أو يسأل عمَّا أشكل عليه منه، ولا يبادره قبل فراغه.
¥