ـ[عائشة]ــــــــ[19 - 12 - 2009, 07:26 ص]ـ
وُجوه لُطْفِ الخطابِ ولِينِهِ في قوله تعالى: ?هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى - وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى?
قال الإمامُ ابن القيِّم -رحمه الله-:
(ثُمَّ أمرَه أَن يخاطبَه بألينِ خطابٍ؛ فيقول له: ((هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى - وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى)).
ففي هذا مِن لطفِ الخطاب ولِينِه وجوهٌ:
أحدها: إخراج الكلام مُخْرَجَ العَرْضِ، ولم يُخرِجْه مُخْرَجَ الأمرِ والإلزام، وهو ألطفُ.
ونظيرُه قولُ إبراهيمَ لضيفِه المُكرَمينَ: ((أَلاَ تَأْكُلُونَ))، ولَمْ يَقُل: كُلُوا.
الثَّاني: قوله: ((إِلَى أَن تَزَكَّى))، والتَّزَكِّي: النَّماء، والطَّهارة، والبَرَكة، والزِّيادة؛ فعرضَ عليه أمرًا يقبله كلُّ عاقلٍ، ولا يردُّه إلاَّ كلُّ أحمق جاهل.
الثَّالث: قوله: ((تَزَكَّى))، ولَمْ يَقُلْ: (أُزَكِّيكَ)؛ فأضاف التَّزكية إلى نفسِهِ، وعلَى هذا يُخاطَبُ الملوكُ.
الرَّابع: قوله: ((وأَهْدِيَكَ))؛ أي: أكون دليلاً لك، وهاديًا بين يديكَ؛ فنسب الهدايةَ إليه، والتزكِّي إلى المخاطَب؛ أي: أكون دليلاً لك، وهاديًا؛ فتزكَّى أنتَ؛ كما تقول للرَّجل: هل لَّكَ أن أدلَّكَ علَى كنزٍ تأخذُ منه ما شئتَ؟ وهذا أحسنُ مِن قولِهِ: أُعطيكَ.
الخامس: قوله: ((إلَى رَبِّكَ)) فإنَّ في هذا ما يُوجِبُ قبول ما دلَّ عليه؛ وهو أنَّه يدعوه ويُوصلُه إلى ربِّه؛ فاطرِه، وخالقِه الَّذي أوجَده، وربَّاه بنِعَمِهِ -جَنينًا وصغيرًا وكبيرًا-، وآتاه المُلْكَ. وهو نوعٌ من خِطابِ الاستعطافِ، والإلزامِ؛ كما تقول لِمَنْ خرجَ عَن طاعةِ سيِّده: ألاَ تُطيعُ سيِّدَكَ، ومولاكَ، ومالكَكَ؟ وتقول للولدِ: ألا تُطيع أباكَ الذي ربَّاكَ؟
السَّادس: قوله: ((فَتَخْشَى))؛ أي: إذا اهتديتَ إليه وعرفتَه؛ خَشِيتَهُ؛ لأنَّ مَنْ عَرَفَ اللهَ خافَهُ، ومن لَمْ يَعْرِفْهُ لَمْ يَخَفْهُ؛ فخشيتُه تعالى مقرونةٌ بمعرفتِهِ، وعلى قدر المعرفةِ تكون الخشيةُ.
السَّابع: أنَّ في قوله: ((هَل لَّكَ)) فائدة لطيفة؛ وهي أنَّ المعنى: هل لكَ في ذلك حاجةٌ أو أَرَبٌ؟ ومعلوم أنَّ كُلَّ عاقلٍ يُبادِرُ إلى قبولِ ذلك؛ لأنَّ الدَّاعيَ إنَّما يدعو إلى حاجتِهِ ومصلحتِه، لا إلى حاجة الدَّاعي؛ فكأنَّه يقولُ: الحاجةُ لَكَ، وأنت المتزكِّي، وأنَّا الدَّليل لكَ، والمُرشد لك إلى أعظم مصالحِكَ) انتهى.
ـ[نحوية]ــــــــ[19 - 12 - 2009, 12:22 م]ـ
أختي عائشة -السلام عليكِ- ثقي أنني سعيدة جدا بدروسكِ هذه ...
سأتفرغ من شغلي في أقرب وقت-إن شاء الله- وأشاركك الحوار في عديد المسائل العلمية المتعلقة بلغتنا الحبيبة ........ بارك الله فيك وزادك علما وفهما وجعل ما تكتبين من علوم في ميزان حسناتك .... نعم زكاة العلم نشره
ـ[عائشة]ــــــــ[19 - 12 - 2009, 07:42 م]ـ
الأخت الكريمة / نحوية
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أشكرُ لكِ مُتابعتكِ.
بارك الله فيكِ، ويسَّر أمرَكِ.
ـ[نحوية]ــــــــ[19 - 12 - 2009, 10:47 م]ـ
أعطر تحياتي ... لكِ
ومزيدا من العلم الطيب أيتها الأخت المباركة
أتمنى كل الناس يهتمون بقضايا العلم مثلك .... تقديري واحترامي
ـ[عائشة]ــــــــ[20 - 12 - 2009, 07:14 ص]ـ
قولٌ قويٌّ في تفسير قوله تعالَى: ?بَلْ يُريدُ الإنسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ? وما فيه من البلاغةِ
قال الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمه الله-:
(وفي الآيةِ قولٌ آخَرُ؛ وهو أنَّ المعنى: بل يُريدُ الإنسان ليُكذِّب بِمَا أمامَه مِنَ البَعْثِ ويومِ القيامة.
وهذا قولُ ابن زيدٍ، واختيارُ ابن قُتَيبةَ، وأبي إسحاق.
قالَ هؤلاء: ودليلُ ذلك قولُه: ((يَسْأَلُ أيَّانَ يَوْمُ القِيامَةِ)).
ويُرجِّحُ هذا القولَ لَفْظَةُ (بَلْ)؛ فإنَّها تُعطي أنَّ الإنسانَ لَمْ يُؤمِن بيوم القيامةِ مع هذا البيان والحجَّة؛ بل هو مُريدٌ للتَّكذيبِ به.
ويُرجِّحه -أيضًا- أنَّ السِّياقَ كُلَّه في ذمِّ المكذِّب بيوم القيامةِ، لا في ذمِّ العاصي والفاجِر.
وأيضًا: فإنَّ ما قبل الآية وما بعدَها: يدُلُّ علَى المُرادِ؛ فإنَّه قالَ: ((أيحسَبُ الإنسانُ أن لَّن نَّجْمَعَ عِظامَهُ - بلَى قادرينَ علَى أن نُّسَوِّيَ بَنانَهُ))؛ فأنكر -سبحانه- عليه حُسْبانَهُ أنَّ اللهَ لا يجمع عِظامَه، ثمَّ قرَّر قُدرتَه على ذلك، ثمَّ أنكر عليه إرادةَ التَّكذيب بيوم القيامةِ؛ فالأوَّلُ: حُسْبانٌ منه ألاَّ يُحييَهُ بعد موتِه، والثَّاني: تكذيبٌ منه بيوم البَعث، وأنَّه يُريدُ أن يُّكذِّبَ بما وضح وبانَ دليلُ وقوعِه وثبوتِه؛ فهو مريدٌ للتَّكذيب بهِ، ثمَّ أخبرَ عن تصريحِه بالتَّكذيب؛ فقال: ((يسألُ أيَّانَ يومُ القيامةِ))؛ فالأوَّلُ: إرادةُ التَّكذيب، والثَّاني: نُطقٌ بالتَّكذيبِ، وتكلُّمٌ به.
وهذا قولٌ قوِيٌّ -كما تَرَى-؛ لكن: ينبغي إفراغُ هذه الألفاظِ في قوالبِ هذا المعنَى؛ فإنَّ لفظة (يَفْجُر) إنَّما تدُلُّ علَى عَمَلِ الفُجورِ، لا علَى التَّكذيب، وحَذْفُ الموصول مَعَ ما جَرَّهُ، وإبقاءُ الصِّلةِ= خلافُ الأَصْلِ؛ فإن أصحابَ هذا القولِ قالوا: تقديرُه: ليَكْفُرَ بِما أمامَهُ، وهذا المعنَى صحيحٌ؛ لكنَّ دلالةَ هذا اللَّفظ عليه ليستْ بالبيِّنةِ.
فالجوابُ: أنَّ الأمرَ كذلك؛ لكنَّ الفِعْلَ إذا ضُمِّنَ معنَى فعلٍ آخَرَ؛ لَمْ يَلْزَمْ إعطاؤُه حُكْمَهُ مِن جميعِ الوجوهِ؛ بل مِن جَلالةِ هذه اللُّغةِ العظيمةِ الشَّأْنِ وجزالتِها: أن يَّذكُرَ المتكلِّمُ فعلاً، ويُضمِّنَه معنَى فعلٍ آخَرَ، ويُجري على المضمَّنِ أحكامَهُ لفظًا، وأحكامَ الفِعْلِ الآخَرِ معنًى؛ فيكون في قوَّة ذكرِ الفِعلينِ، مع غايةِ الاختصارِ. ومَن تدبَّر هذا؛ وَجَدَهُ كثيرًا في كلامِ اللهِ تعالى.
فلَفْظةُ (يَفْجُر) اقتضَتْ (أمامَهُ) بلا واسطةِ حَرْفٍ، ولا اسمٍ موصول؛ فأُعطيَتْ ما اقتضَتْهُ لفظًا، واقتضَى ما تضمَّنه الفِعْلُ من ذِكْرِ الحَرفِ والمَوْصولِ؛ فأُعْطِيَتْهُ معنًى؛ فهذا وَجْهُ هذا القولِ لفظًا ومعنًى، واللهُ أعلمُ) انتهى.
¥