(وأحسنُ ما قُرِنَ اسمُ (المجيد) إلى (الحميد)؛ كما قالت الملائكةُ لبيت الخليلِ -عليه السَّلام-: ((رحمةُ اللهِ وبركاتُهُ عليكُمْ أهلَ البَيْتِ إنَّه حَميدٌ مَّجيدٌ))، وكما شُرِعَ لنا في آخرِ الصَّلاة أن نُّثْنِيَ على الربِّ تعالَى بأنَّه حميدٌ مجيدٌ، وشُرِعَ في آخرِ الركعة عند الاعتدالِ أن نقولَ: (ربَّنا ولك الحمدُ، أهلَ الثَّناءِ والمجدِ). فالحمدُ والمجدُ -على الإطلاق- للهِ الحميدِ المجيدِ؛ فالحميدُ: الحبيبُ، المستحقُّ لجميع صفات الكمال، والمجيدُ: العظيم، الواسع، القادر، الغنيُّ، ذو الجلال والإكرام) انتهى.
ـ[عائشة]ــــــــ[15 - 12 - 2009, 06:35 ص]ـ
سورة البروج كتابٌ مُّستقِلٌّ في أصولِ الدِّين
قال الإمامُ ابن القيِّم -رحمه الله-:
(وقد اشتملت هذه السُّورة -على اختصارها- مِنَ التَّوحيد على:
وصفِه -سبحانه- بالعزَّةِ؛ المتضمِّنة للقُدرةِ، والقوَّة، وعدم النَّظير.
والحمدِ؛ المتضمِّن لصفات الكمال، والتَّنزيه عن أضدادها، مع محبته، وإلهيَّته.
وملكه السَّماوات والأرض؛ المتضمِّن لكمال غناه، وسعة ملكه.
وشهادته على كلِّ شيءٍ؛ المتضمِّن لعموم اطِّلاعِه على ظواهرِ الأمورِ، وبواطنِها، وإحاطة بَصَرِه بمرئيَّاتها، وسمعِه بمسموعاتها، وعلمِه بمعلوماتِها.
ووصفه بشدَّةِ البَطْشِ؛ المتضمِّن لكمال القُوَّة، والعزَّة، والقدرةِ.
وتفرُّده بالإبداء والإعادةِ؛ المتضمّن لتوحيد رُبوبيَّته، وتصرُّفه في المخلوقاتِ بالإبداء والإعادة، وانقيادها لقُدرته؛ فلا يستعصي عليه منها شيءٌ.
ووصفه بالمغفرةِ؛ المتضمِّن لكمال جوده، وإحسانِه، وغناه، ورحمته.
ووصفه بالودودِ؛ المتضمِّن لكونه حبيبًا إلى عباده، محبًّا لهم.
ووصفه بأنَّه ذو العرش؛ الَّذي لا يقدر قدرَه سواه، وأنَّ عرشَه المختصَّ به لا يليق بغيرِه أن يستويَ عليه.
ووصفه بالمجد؛ المتضمِّن لسعةِ العلم، والقُدرة، والمُلْك، والغنَى، والجود، والإحسان، والكرم.
وكونه فعَّالاً لِمَا يُريد؛ المتضمِّن لحياتِه، وعلمه، وقُدرته، ومشيئته، وحِكمته، وغيرِ ذلك من أوصاف كمالِهِ.
فهذه السُّورةُ كتابٌ مستقلٌّ في أصول الدِّين، تكفي مَن فَهِمَها) انتهى.
ـ[نحوية]ــــــــ[15 - 12 - 2009, 08:39 م]ـ
سبحان الله ........ زادكِ علما أختاه .. ونفع بكِ ودفع عنكِ كل ضير؛ وساق إليكِ كل خير ......
ـ[عائشة]ــــــــ[16 - 12 - 2009, 12:58 م]ـ
البلاغة في وصف العِيشة بالرَّاضية
قال الإمامُ ابن القيِّم -رحمه الله-:
(وأمَّا (العِيشة الرَّاضِية)؛ فالوصفُ بها أحسنُ مِنَ الوَصْفِ بـ (المَرْضِيَّة)؛ فإنَّها اللاَّئقة بهم؛ فشَبَّهَ ذلك برِضَاها بِهم كما رَضُوا بها، كأنَّها رَضِيَتْ بِهِمْ ورَضُوا بِهَا، وهذا أبلغُ مِن مجرَّدِ كونِها مَرْضيَّةً فَقَط؛ فتأمَّلْهُ) انتهى.
التَّعبير عن الأعمال بالسِّرّ في قوله تعالَى: ?يومَ تُبْلَى السَّرَائِرُ?
قال الإمامُ ابن القيِّم -رحمه الله-:
(وفي التَّعبير عن الأعمال بالسِّرِّ لطيفة؛ وهو أنَّ الأعمال نتائج السَّرائر الباطنةِ؛ فمَن كانت سريرتُه صالحةً؛ كان عملُه صالحًا؛ فتبدو سريرتُه على وجهِهِ نورًا وإشراقًا وحياءً، ومَن كانت سريرتُه فاسدةً؛ كان عملُه تابعًا لسريرتِه، لا اعتبار بصورته، فتبدو سريرتُه على وجهِه سوادًا وظلمةً وشينًا، وإن كان الَّذي يبدو عليه في الدُّنيا إنما هو عَمَلُه لا سريرتُه، فيوم القيامة تبدو عليه سريرتُه، ويكون الحكمُ والظُّهور لها) انتهى.
ـ[عائشة]ــــــــ[17 - 12 - 2009, 06:12 ص]ـ
مِنْ عادةِ القرآنِ في القَسَمِ: الإقسامُ من كُلِّ جنسٍ بأعلاه
قال الإمامُ ابن القيِّم -رحمه الله-:
(... وإنَّما يُقْسِمُ -سبحانه- من كُلِّ جنسٍ بأعلاه:
كما أنَّه لمَّا أقسمَ بالنُّفوسِ: أقسم بأعلاها؛ وهي: النَّفس الإنسانيَّة.
ولمَّا أقسَمَ بكلامِه: أقسمَ بأشرفِه وأجلِّه؛ وهو: القرآن.
ولمَّا أقسم بالعُلْويَّاتِ: أقسمَ بأشرفِها؛ وهي: السَّماءُ، وشمسُها، وقمرُها، ونجومُها.
ولمَّا أقسمَ بالزَّمانِ: أقسمَ بأشرفِه؛ وهو: اللَّيالي العَشْر.
وإذا أراد -سبحانه- أن يُّقسِمَ بغير ذلك؛ أدرجَهُ في العُمومِ؛ كقوله: ((فلا أُقْسِمُ بِما تُبصِرُونَ - وما لا تُبْصِرُونَ))) انتهى.
ـ[عائشة]ــــــــ[18 - 12 - 2009, 01:13 م]ـ
البلاغة في حذف مفعول (النَّزع) و (النَّشط) في قوله تعالَى: ?والنَّازعاتِ غَرْقًا - والنَّاشطات نَشْطًا?
قال الإمامُ ابن القيِّم -رحمه الله-:
(وحَذَفَ مفعول (النَّزع) و (النَّشط)؛ لأنَّه لو ذَكَرَ ما تنزعُ وتنشطُ؛ لأوهمَ التقييدَ بهِ، وأنَّ القَسَمَ علَى نَفْسِ الأفعالِ الصَّادرة مِن هؤلاءِ الفاعلينَ؛ فلم يتعلَّقِ الغرضُ بذكرِ المفعول؛ كقوله: ((فأمَّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى)) ونظائره، فكان نَفْسُ النَّزْعِ هو المقصود، لا عَيْن المنزوع) انتهى.
لِمَ ذَكَرَ (السَّابقات) و (المُدبِّرات) بالفاء، وما قبلها بالواو؟
قال ابنُ القيِّم -رحمه الله تعالَى-:
(قال الجُرْجانيُّ: وذكرَ السَّابقات والمدبِّرات بالفاءِ، وما قبلها بالواوِ؛ لأنَّ ما قبلَها أقسامٌ مستأنَفة، وهذان القِسمان مُنشَآن عن الَّذي قبلهما؛ كأنَّه قال: فاللاَّتي سَبَحْنَ فسَبَقْنَ؛ كما تقولُ: قامَ فَذَهَبَ؛ أوجب الفاء أنَّ القيامَ كان سببًا للذَّهاب، ولو قلتَ: قام وذهب؛ لَمْ تجعلِ القيامَ سببًا للذَّهاب.
واعترَضَ عليه الواحديُّ؛ فقال: هذا غير مُطَّردٍ في هذه الآيةِ؛ لأنَّه يبعد أن يجعلَ السَّبْق سببًا للتَّدبير، مع أنَّ السابقاتِ ليست الملائكة في قول المفسِّرين.
قلتُ: الملائكةُ داخلون في السَّابقات قَطْعًا، وأمَّا اختصاص السَّابقات بالملائكةِ فهذا محتملٌ. وأمَّا قوله: (يبعد أن يكون السَّبقُ سببًا للتدبيرِ)؛ فليس كما زَعَمَ؛ بل السَّبق: المبادرةُ إلى تنفيذ ما يُؤمَر به المَلَكُ؛ فهو سبب الفِعل الذي أُمِرَ به؛ وهو التَّدبير، مع أنَّ الفاء دالَّة على التَّعقيب، وأنَّ التَّدبير يتعقَّب السَّبق بلا تراخٍ، بخلاف الأقسام الثَّلاثةِ، والله أعلم) انتهى.
¥