وهذا المعنَى في القرآنِ في ثلاثِ مواضع: ههنا، وفي النَّحل في قوله: ((وعلَى الله قصدُ السبيلِ))، وفي الحِجْر في قوله: ((هذا صراطٌ عليَّ مُستقيمٌ)).
وهو معنًى شريفٌ جليلٌ، يدلُّ علَى أنَّ سالك طريق الهُدَى يُوصله طريقُه إلى اللهِ ولا بدَّ، والهُدَى: هو الصِّراط المستقيم، فمَن سَلَكَهُ؛ أوصلَهُ إلى اللهِ. فذَكَر الطَّريقَ، والغايةَ؛ فالطَّريقُ: الهدَى، والغايةُ: الوصولُ إلى اللهِ. فهذه أشرفُ الوسائلِ، وغايتُها أعلَى الغاياتِ.
ولمَّا كان مطلوبُ السَّالكِ إلى الله تحصيلَ مصالح دنياه وآخرته؛ لَمْ يتمَّ له هذا المطلوبُ إلاَّ بتوحيدِ طلبِه، والمطلوبِ منه؛ فأعلمه -سبحانه- أنَّ سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئًا، وأنَّ الدُّنيا والآخرةَ جميعًا له -وحدَهُ-، فإذا تيقن العبد ذلك؛ اجتمعَ طلبُه ومطلوبُه على من يملكُ الدُّنيا والآخرةَ -وحدَهُ-.
فتضمَّنتِ الآيتانِ أربعةَ أمورٍ؛ هي المطالب العالية: ذَكر أعلَى الغاياتِ؛ وهو: الوصول إلى الله -سبحانه-، وأقربَ الطُّرق والوسائل إليه؛ وهي: طريقة الهُدَى، وتوحيدَ الطَّريقِ؛ فلا يعدل عنها إلى غيرها، وتوحيدَ المطلوبِ؛ وهو: الحقُّ؛ فلا يعدل عنه إلى غيرِهِ.
فاقتبسْ هذه الأمورَ مِن مشكاة هذه الكلماتِ؛ فإنَّ هذه غاية العلم والفهم، وبالله التَّوفيقُ.
والهدَى التَّامُّ: يتضمَّن توحيدَ المطلوبِ، وتوحيدَ الطَّلبِ، وتوحيدَ الطَّريق الموصلةِ. والانقطاعُ وتخلفُّ الوصولِ: يقعُ من الشركة في هذه الأمورِ، أو في بعضها.
فالشركة في المطلوبِ: تُنافي التوحيدَ والإخلاصَ، والشركة في الطَّلبِ: تُنافي الصِّدق والعزيمة والشركة في الطريقِ: تنافي اتِّباع الأمرِ.
فالأوَّلُ: يُوقع في الشِّرك والرِّياء، والثَّاني: يوقع في المعصية والبَطالةِ، والثالثُ: يوقع في البدعةِ ومفارقة السنَّة؛ فتأمَّلْهُ.
فتوحيدُ المطلوبِ: يعصِمُ مِنَ الشِّرْكِ، وتوحيدُ الطَّلَبِ: يعصِمُ مِنَ المعصيةِ، وتوحيدُ الطَّريقِ: يعصِمُ مِنَ البِدْعةِ. والشَّيطانُ إنَّما ينصبُ فَخَّهُ بهذه الطُّرقِ الثَّلاثةِ) انتهى.
ـ[عائشة]ــــــــ[13 - 12 - 2009, 07:50 ص]ـ
تفسير النَّاس يدور علَى ثلاثةِ أصولٍ
قال الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمه الله-:
(وتفسير النَّاس يدور على ثلاثة أصولٍ:
تفسير على اللَّفظ؛ وهو الذي ينحو إليه المتأخِّرون.
وتفسير على المعنَى؛ وهو الَّذي يذكره السَّلَفُ.
وتفسير على الإشارة والقياسِ؛ وهو الَّذي ينحو إليه كثيرٌ من الصُّوفيَّةِ وغيرهم. وهذا لا بأس به بأربعةِ شرائط:
ألاَّ يناقِضَ معنَى الآيةِ، وأن يكون معنًى صحيحًا في نفسِهِ، وأن يكون في اللَّفظ إشعارٌ به، وأن يكون بينه وبين معنَى الآيةِ ارتباطٌ وتلازمٌ. فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعةُ؛ كان استنباطًا حَسَنًا) انتهى.
ـ[عائشة]ــــــــ[13 - 12 - 2009, 07:51 ص]ـ
ذكر الفعل في (أَثَرْنَ) و (وَسَطْنَ) أحسنُ من ذكرِ الاسم
قال الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمه الله-:
(وكان ذكرُ الفِعْلِ في (أَثَرْنَ) و (وَسَطْنَ) أحسنَ مِن ذِكْرِ الاسْمِ؛ لأنَّه -سبحانه- قسَّم [أفعالهنَّ] إلى قِسمين: وسيلةٍ، وغايةٍ؛ فالوسيلةُ: هي العَدْوُ، وما يتبعُه مِنَ الإيراءِ والإغارةِ، والغايةُ: هي توسُّطُ الجَمْعِ وما يتبعُه مِن إثارةِ النَّقْعِ؛ فهُنَّ عادِياتٌ مورياتٌ مغيراتٌ، حتَّى يتوسَّطن الجَمْعَ، ويُثِرْنَ النَّقع، فالأوَّل شأنهنَّ الَّذي أُعدِدْنَ لَهُ، والثَّاني فِعْلُهُنَّ الَّذي انتهينَ إليهِ، والله أعلمُ) انتهى.
ـ[عائشة]ــــــــ[14 - 12 - 2009, 12:29 م]ـ
ما ألطف اقتران اسم (الودود) بـ (الرحيم) وبـ (الغفور)!
قال الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمه الله-:
(وما ألطفَ اقترانَ اسم (الودود) بـ (الرَّحيم) وبـ (الغَفور)؛ فإنَّ الرَّجُلَ قد يغفرُ لِمَنْ أساءَ إليه، ولا يُحبُّه، وكذلك: قد يرحَم من لاَّ يُحِبُّ، والرَّبُّ تعالَى يغفرُ لعبدِهِ إذا تاب إليه، ويرحمُه، ويحبُّه مع ذلك؛ فإنه يحبُّ التوَّابينَ، وإذا تاب إليه عبدُهُ؛ أحبَّهُ، ولو كان منه ما كان) انتهى.
أحسنُ ما قُرِنَ اسمُ (المجيد) إلى (الحميد)
قال الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمه الله-:
¥