ـ[عائشة]ــــــــ[10 - 12 - 2009, 07:07 ص]ـ
البسملة1
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ علَى رسولِ اللهِ، أمَّا بعدُ:
فهذه شَذَراتٌ التقطتُها من كتاب «التبيان في أقسام القرآن»، للإمامِ ابنِ قيِّم الجوزيَّة -رحمه الله تعالَى-، وأسألُ الله -عزَّ وجلَّ- أن ينفعَ بها.
السِّرُّ في ذِكْرِ ثمودَ دون غيرهم من الأُممِ في سورةِ الشَّمسِ
نَقَلَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ عن شيخِهِ ابنِ تيميَّةَ -رحمهما الله تعالَى- السِّرَّ في هذا؛ فقال: (وذكر في هذه السُّورةِ ثمود دون غيرهم من الأُممِ المكذِّبة؛ فقال شيخُنا: هذا -والله أعلمُ- مِن باب التَّنبيهِ بالأدنَى علَى الأعلَى؛ فإنَّه لَمْ يكُن في الأُممِ المكذِّبة أخفُّ ذنبًا وعذابًا منهم؛ إذْ لَمْ يُذْكَرْ عنهُم من الذُّنوبِ ما ذُكِرَ عن عادٍ، ومَدْينَ، وقَوْمِ لوطٍ، وغيرِهم ...).
وظَهَرَ للإمامِ ابنِ القيِّمِ -رحمه الله- معنًى آخَرَ؛ يقولُ:
(قلتُ: وقد يظهرُ في تخصيصِ ثمودَ ههنا بالذِّكر دونَ غيرِهم معنًى آخَرَ؛ وهو أنَّهم رَدُّوا الهُدَى بعدَمَا تيقَّنوهُ، وكانوا مُستبصِرينَ بهِ، قد ثَلِجَتْ له صدورُهم، واستيقظَتْ له أنفسُهُم، فاختارُوا عليه العمَى والضَّلالةَ؛ كما قالَ تعالَى في وصفِهم: ((وأمَّا ثمودُ فهديناهُمْ فاسْتَحَبُّوا العَمَى علَى الهُدَى))، وقال: ((وآتينَا ثَمودَ النَّاقةَ مُبْصِرةً))؛ أي: مُوجبة لهم التَّبصرةَ واليقين، وإن كانَ جميع الأممِ المُهلَكَةِ هذا شأنهم؛ فإنَّ اللهَ لَمْ يُهلِكْ أُمَّةً إلاَّ بعد قيام الحُجَّة عليها؛ لكن خُصَّتْ ثمودُ من ذلك الهدى والبصيرة بمزيدٍ؛ ولهذا: لَمَّا قَرَنَهم بقومِ عادٍ؛ قال: ((فأمَّا عادٌ فاستكبَروا في الأرضِ بغيرِ الحقِّ وقالوا مَنْ أشدُّ مِنَّا قُوًّةً))، ثمَّ قال: ((وأمَّا ثمودُ فهديناهُمْ فاسْتَحَبُّوا العَمَى علَى الهُدَى))؛ ولهذا: أمكنَ عادًا المكابرة، وأن يقولوا لنبيِّهم: ((ما جِئتَنا ببيِّنةٍ))، ولم يُمكن ذلك ثمود، وقد رأوا البيِّنة عِيانًا، وصارَتْ لهم بمنزلة رؤية الشَّمس والقمر؛ فردُّوا الهدى بعد تيقُّنه، والبصيرةِ التَّامَّةِ؛ فكان في تخصيصهم بالذِّكر: تحذيرٌ لكُلِّ من عرفَ الحقَّ ولم يتَّبِعْهُ، وهذا داءُ أكثر الهالكينَ، وهو أعمُّ الأدواءِ، وأغلبُها على أهلِ الأرض. واللهُ أعلم) انتهى.
ـ[عائشة]ــــــــ[11 - 12 - 2009, 07:17 م]ـ
مقابَلة (اتَّقَى) بـ (استَغْنَى) في سورةِ اللَّيلِ
قال ابنُ القيِّمِ -رحمه الله تعالَى-:
(فإن قيلَ: كيف قابَلَ (اتقى) بـ (استغنى)، وهل يمكن العبد أن يستغنيَ عن ربِّه طَرْفةَ عَيْنٍ؟
قيل: هذا مِنْ أحسنِ المقابلةِ؛ فإنَّ المُتِّقي لَمَّا استشعرَ فقرَه، وفاقتَه، وشدَّةَ حاجتِه إلى ربِّهِ= اتَّقاه، ولم يتعرَّضْ لسخطِه، وغضبِه، ومقتِه؛ بارتكابِ ما نهاه عنه، فإنَّ مَن كان شديد الحاجةِ والضَّرورة إلى شخصٍ؛ فإنَّه يتقي غضبه وسخطه عليه غايةَ الاتِّقاءِ، ويجانبُ ما يكرهه غايةَ المجانبةِ، ويعتمدُ فعلَ ما يحبُّه ويؤثره.
فقابل التَّقوى بالاستغناءِ؛ تبشيعًا لحال تارك التَّقوى، ومبالغةً في ذمِّه؛ بأن فَعَلَ فِعْلَ المُستغني عن ربِّه، لا فِعْلَ الفقيرِ المضطرِّ إليه، الَّذي لا ملجأَ له إلاَّ إليه، ولا غنى له عن فَضْلِه وجودِه وبِرِّه طَرْفةَ عَيْنٍ.
فللهِ ما أحلَى هذه المقابلة! وما أجمعَ هاتين الآيتين للخيراتِ كلِّها وأسبابِها، والشرورِ كلِّها وأسبابِها!) انتهى.
ـ[عائشة]ــــــــ[12 - 12 - 2009, 12:28 م]ـ
تأمُّلاتٌ في قوله تعالَى: ?إنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى - وإنَّ لَنَا للآخِرَةَ والأُولَى? [الليل: 12، 13]
قال الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمه الله-:
(قيل: معناه: إنَّ علينا أن نبيِّن طريق الهدى من طريق الضَّلال ...
وقيل: المعنى: إنَّ علينا للهُدَى والإضلال ...
وقيل: المعنى: من سَلَكَ الهدى؛ فعلى الله سبيله؛ كقوله: ((وعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبيلِ))، وهذا قول مجاهدٍ، وهو أصحُّ الأقوال في الآيةِ.
قال الواحديُّ: ((علينا للهُدَى)): أي: إنَّ الهدى يوصل صاحبَه إلى الله، وإلى ثوابِه وجنَّته.
¥