ملتقي اهل اللغه (صفحة 2727)

نحن في مسامرة فلا ضير من الاستطراد .. بل هو مما يقتضيه المقام،فلذلك نفتح هذا الحديث المتفرع:

لا نسلم للأنجليز اختراعهم للرواية البوليسية ... ولا نقصد بهذا الاعتراض الانتصار لبلزاك الفرنسي أو إدجار بو الأمريكي ... بل نقصد أن هذه الأمم الثلاث في تنازعها ريادة الرواية البوليسية تنتحل ما ليس لها بحق وتريد أن تكتسي بما لم تغزل ....

إن الرواية البوليسية عربية عربية ... وشرلوك هولمز لم ينشأ في ضباب لندن بل على رمال جزيرة العرب ... وميلاد الرواية البوليسية ليست سنة 1829على يد بلزاك أو سنة 1841 على يد أدجار بو ولا سنة 1863 على يد إميل غابوريو ... بل ولدت قبل ذلك بقرون ...

ما رأيكم في هذه القصة التي يرويها ابن حجة الحموي في ثمرات الأوراق:

[قيل سار مضر وربيعة وإياد وإنمار أولاد نزار ابن معد إلى أرض نجران فبينما هم يسيرون إذ رأى مضر كلأً قد رعى فقال البعير الذي رعى هذا أعور فقال ربيعة وهو أزور وقال إياد وهو أبتر وقال إنمار وهو شرود فلم يسيروا إلا قليلاً حتى لقيهم رجل على راحلة فسألهم عن البعير فقال مضر أهو أعور قال نعم قال ربيعة أو أزور قال نعم قال إياد أهو أبتر قال نعم قال إنمار أهو شرود قال نعم والله هذه صفات بعيري دلوني عليه فحلفوا أنهم ما رأوه فلزمهم وقال فكيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته فساروا حتى قربوا نجران فنزلوا بالأفعى الجرهمي فنادى صاحب البعير هؤلاء القوم وصفوا لي بعيري بصفته ثم أنكروه فقال الجرهمي كيف وصفتموه ولم تروه فقال مضر رايته يرعى جانبا ويترك جانبا فعلمت أنه أعور وقال ربيعة رأيت أحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعلمت أنه أفسدها بشدة وطئه لأزواره وقال إياد عرفت بتره بأجتماع بعره ولو كان زيالا لتفرق وقال إنمار عرفت أنه شرود لأنه كان يرعى في المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان أرق منه وأخبث فقال الأفعى ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ثم سألهم من هم فأخبروه فرحب بهم وأضافهم وبالغ في إكرامهم].

وهل فعل شرلوك هولمز في روايات دويل شيئا غير ما فعله أولاد نزار في الزمن الغابر!!

لعل ما يبهر في شرلوك هولمز أنه ما أن يدخل عليه رجل حتى يبادره بتفاصيل حياته فينتفض الرجل دهشة:كيف عرفت كل هذا وأنت تراني لأول مرة؟

فيفسر له هولمز استنتاجاته من "أشياء" في معطفه أو سواد في أصبعه أو أثر ندبة في رقبته .... وهي في الغالب ادعاءات مفتعلة ودعاوى عريضة يتقبلها القارئ رغم أنفه لكي لا يفسد على نفسه متعة قراءة رواية مشوقة ...

لكن (إياس بن معاوية) العربي أفطن من هولمز واستدلالاته أكثر واقعية .. فما يقول الإنجليز في هذا:

-خرج إياس بن معاوية، فسمع نُباح كلب فقال: هذا كلبٌ مشدود، ثم سمع نباحَه فقال: قد أُرسِل، فَانتهوْا إلى الماء فسألوهم فكان كما قال، فقال له غيلان أبو مروان: كيفَ علمتَ أنَّه موثَق وأنَّه أُطلق؟ قال: كان نباحُه وهو موثق يُسمَع من مكانٍ واحد، فلما أُطلق سمعتهُ يقرُب مرّةً ويبعد مرةً، ويتصرَّفُ في ذلك ..

لعمري إن كلب إياس أفضل من كلب بسكرفيل!!

وهذه قصة أخرى يدعي فيها إياس أن الكلب غريب .. وهذا عجيب بل أعجب:

-قالوا: مرَّ إياس بنُ معاوية ذاتَ ليلةٍ بماء، فقال: أسَمعُ صوتَ كلبٍ غريب، قيل له: كيفَ عرفتَ ذلك؟ قال: بُخضوع صوتِه وشِدَّة نُباح الآخر، فسألوا فإذا هو غريب مربوطٌ والكلابُ تنبَحه ...

وهذه قصة ثالثة يحلل فيها إياس نفسية ديك!

قال الجاحظ في الحيوان:

-قال أبو الحسن: مر إياسُ بنُ معاوية بديكِ ينقر حبًّا ولا يفرقُهُ، فقال: ينبغي أن يكون هذا هرِماً، فإنَّ الهرِم إذا أُلقي له الحبُّ لم يفرقْهُ ليجتمع الدجاجُ حولَهُ، والهرِم قد فنيتْ رغبتهُ فيهنَّ، فليس همَّهُ إلاّ نفسَهُ.

قال الجاحظ:

-ونظر إياسُ بن معاوية في الرَّحْبة بواسط إلى آجُرَّة، فقال: تحت هذه الآجُرَّة دابّة: فنزعوا الآجُرَّة فإذا تحتها حيَّة متطوِّقة، فسُئِل عن ذلك، فقال لأنِّي رأيتُ ما بينَ الآجُرَّتين نَدِيّاً من جميع تلك الرَّحَبة، فعلمتُ أن تحتها شيئاً يتنفّس.

قال الإبشيهي:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015