ملتقي اهل اللغه (صفحة 2726)

مؤانسة بلاغية وسمر، مع الشيخ ديدات وكتابه "من دحرج الحجر؟ "

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[28 - 01 - 2010, 05:12 ص]ـ

1 -

من دحرج الحجر؟

هذا الكتيب-والتصغير للتحبيب-في علم مقارنة الأديان، أو في علم تاريخ الأديان بتقييد، أو في علم التاريخ بإطلاق ..

ولكنه- من منظورنا البلاغي- كتاب يستحق أن يوضع في أحد جناحين في المكتبة الأدبية:

-في جناح أدب المعارضة!

-أو في جناح الروايات البوليسية!!

والتفصيل بعد قليل ..

2 -

"من دحرج الحجر؟ "

هذا العنوان في الأصل من وضع محام انجليزي يدعى (فرانك موريسون) سمى به كتابا له، مننتصرا لدعاوى النصارى في صلب المسيح، وقد ذاع فيهم فجأة أيما ذيوع، وإن عدد طبعاته ليربو عن عدد أصابع كلتا اليدين في ظرف وجيز ..

فيكون الشيخ ديدات قد اعتمد" التلميح"،ومن وراء التلميح تقرأ رسالة واضحة قوامها الرغبة في المعارضة والنقض ...

3 -

لا يفل الحديد إلا الحديد!

فمن يستطيع أن يقارع المحامي؟

لن يفند المحامي إلا مفتش شرطة ... فكل ما يشيده المحامي من قصور وقلاع، في المرافعات والدفاع، ينهار فجأة تحت ضربة واحدة لدليل مادي يأتي به شرطي التحري، وقد لا يكون الدليل أكبر من مسمار .. !!

شرطي التحري كان" المستر" ديدات!

4 -

أكبر عيب في المستر (فرانك موريسون) أنه محام ..

وأكبر عيب في المحاماة هو تجسيدها للمبدأ المنهجي المنافي لروح العلم "اعتقد ثم استدل"

لا ينطلق المحامي من "واقعة" بل من "موكل" .. وهذا الموكل لا بد أن يكون على حق، وخصمه لا بد أن يكون في باطل ... ثم يبدأ مسلسل الاستدلال: استنطاق الشهود، واستدعاء الخبراء، ومناورات الدفاع ..... كل ذلك في خدمة الموكل فقط ...

ولن تجد أبدا محاميا يستدعي شاهدا إلا والشهادة لصالح موكله ... !

فأرني محاميا واحدا يكشف عن شيء يورط موكله ... إن فعل يكون قد خرج عن كل الأعراف، وأولها الخروج من مهنته!!

إن المستر (فرانك موريسون) في مرافعته عن صلب المسيح لا يستطيع إلا أن يفر إلى الأمام ... فكل المناورات والمراوغات جائزة ... فموكله: الكنيسة المقدسة، والرهان جليل: عقيدة ملايين النصارى ..

اهتدى الشيخ ديدات إلى المنهج المضاد للمحاماة ... إنه منهج التحري البوليسي!!

منطلق الشرطي أسعد حظا بالمنهج العلمي من المحامي ... فهو متحرر من براءة لموكل يجب إثباتها .. أو إدانة لخصم يجب الإيقاع به، فليس نظره إلا لجهة الواقعة ... فلا عاطفة تلقاء من كان قتيلا ولا هوى في أن يكون القاتل هذا دون ذاك ... ليست إلا دلائل تستجمع، وآثارا تستنظق، وشهادات تستظهر ... فإن دلت على جان فهو الجاني ...

إن مجد الشرطي في الوصول إلى الفاعل أي كان ... وانتصار المحامي في إنقاذ رأس موكله ولا شيء غير ذلك!

إن المنهج العلمي السليم هو في كتاب ديدات وحده!!

5 -

هل اختار الشيخ ديدات أسلوب "الرواية البوليسية "لأن (فرانك موريسون) إنجليزي!

هل يتحدى القوم في مضمارالفن الذي نبغوا فيه؟

السير كونان دويل، الليدي أغاثا كريستي ...

فأما الرجل فقد أرسى قواعد هذا الفن عميقا، وأما المرأة فقد رفعت صرحه عاليا .. فمن يزاحم الإنجليز؟

قراء روايات المرأة عند العادين يأتون في الصف الثاني بعد قراء الإنجيل، الإنجيل الذي يروي قصة صلب السيدالمسيح!!

لا منافس لأغاثا إلا كونان ... ولا يزاحم "هركول بوارو" في الشهرة إلا "شرلوك هولمز"

المؤلفان مختلفان في الأسلوب:

شرلوك هولمز بطل كونان دويل يعتمد على الجانب المادي في الجريمة، فقطعة شمع أو نقطة حبر، أو بقايا ورقة محترقة، أو أثر على الجليد كافية لتخمين ما حدث وتعيين شخص المجرم ...

هركول بوارو بطل أغاثا كريستي مترفع عن تتبع البقايا والآثار، فهمّه الجانب النفسي في الجريمة، يستضيء في التحري بالدوافع والغرائز والبواعث الداخلية ..

وأذكر أنها كتبت رواية لتستخف بكونان دويل وبطله هولمز ... عندما أقحمت محققها ليحل لغز جريمة وقعت قبل عشرين سنة ...

رسالة الاستخفاف واضحة: فليست تبقى آثار أقدام على الجليد عشرين سنة، وليس يبقى عود ثقاب مشتعلا عشرين سنة، وليست تبقى رائحة العطر في الدهليز عشرين سنة ... أتى الدهر على كل القرائن المادية، فأنى يهتدي هولمز!!

لعل المرأة انتصرت في حربها الأهلية ...

لكن المحقق ديدات سيرفع التحدي عاليا: لقد حل لغز جريمة قتل وقعت، ليس قبل عشرين سنة، بل قبل عشرين قرنا!!!

6 -

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015