الواجبُ على من لا يجِد من نفسِه القدرةَ على النظرِ، ومعالجةِ المسائلِ أن يلتزمَ التريُّثَ، ويقِفَ حيثُ يرَى علمه يقِفُ. فأمَّا مَن يجِدُ من نفسه غيرَ ذلكَ، فالواجبُ عليه أن يبيِّنَ ما لاحَ لهُ من الحقِّ، ويصدَع بما هداهُ إليه بحثُه سواءٌ كانَ في هذا موافقةُ غيره، أم مخالفتُه. وأنا ولله الحمدُ أعرِفُ قدرَ نفسي كلَّ المعرفةِ، فلا أتكلّم في المسألة من العِلْم حتَّى أكونَ عليمًا بها، وحتى أردِّدَ فيها نظري، وأُجيلَ فيها فِكري، فإن كانَ لكَ ردٌّ على شيءٍ من هذا بالحُجَّة، والبيِّنة، فهاتِه نستفدْ منه، وإن كانَ غرضُك التماسَ المعاذيرِ لعبدِ القاهر، والاحتجاجَ لقاعدتِه هذه، حتى وإن كانَ دونَ هذا ركوبُ الباطلِ، وتنكُّبُ الحقِّ، فليسَ هذا من عملي، ولا هو من منهجي الذي ارتضيتُه في العِلْم. وإن كنتَ تطلبُ أحدًا يؤيِّدني على هذا الرأي، فإني أقولُ: وهل الحقُّ يُدرَك بالحُجَّة، أم بكثرةِ الأصواتِ؟! ومع ذلكَ فهذا كلام لمحمد أبي موسَى في كتابه (خصائص التراكيب)، يقول فيه:
(ولعل الذي أغرى عبد القاهر بالقطع بأن (مثل ما أنا فعلت) يفيد الاختصاص قطعًا، هو ما لحظه من تسلُّط النفي على الفاعلِ، ففهِمَ من ذلك أن النفيَ خاصٌّ بالفاعلِ، وأن الفعلَ غيرُ منفيٍّ ...
والذي قاله عبد القاهر في هذا مع دِقَّته التي أغرَت الباحثين من بعده ليس عندنا على إطلاقِهِ، وإنما هو أمرٌ غالبٌ لا لازمٌ، لأن المتكلم حين يسلط النفيَ على الفاعل لا يلزَمُ منه ثبوتُ الفعل، لأن الفعلَ مسكوت عنه، فيمكن أن يكون ثابتًا كما في أمثلة الاختصاص التي ذكرها عبدُ القاهر، وقد يكون غيرَ ثابتٍ كما في قولنا: (ما أنا قلت هذا) أي: هذا الذي تزعمون أنه قد قيل. نعم يمكنك في هذا المعنى أن تقول: (ما قلت هذا)، ولكنك قدمتَ الفاعل للاهتمام، والرغبة في توكيد نفي الفعل عنه. وقد جاء هذا التركيبُ في القرآن الكريم من غير أن يكون دالاًّ على الاختصاص. وذلك كقوله تعالى: ((لو يعلم الذين كفروا حينَ لا يكفّون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون * بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردَّها ولا هم يُنظَرون)).
فقوله: ((ولا هم ينصرون))، ((ولا هم ينظرون)) قدّم فيه المسند إليه على الخبر الفعلي وهو مسبوق بحرف النفي، ومع هذا يفيد التقوية فقط، لأن الاختصاصَ يعني أن غيرَهم يُنصر من عذاب الله، ويُنظر حين تأتيه الساعة.وذلك لا يكون). ا. هـ.
قالَ أبو قصيٍّ:
هذا كلامُ أبي موسَى بنصِّه. وهو شيخُ البلاغيِّين في هذا العصر. ولا ها اللهِ ما أخذتُّ من كلامه حرفًا واحدًا، بل ما وقعتُ عليه إلا بعد ما انتهيتُ من الردِّ الأوَّلِ. وإنما هو من عجيبِ الاتفاق.
ـ[الأديب النجدي]ــــــــ[15 - 04 - 2010, 09:42 ص]ـ
(وإن كنتَ تطلبُ أحدًا يؤيِّدني على هذا الرأي، فإني أقولُ: وهل الحقُّ يُدرَك بالحُجَّة، أم بكثرةِ الأصواتِ؟!)
بل بالحُجّةِ - جزاكمُ اللهُ خيراً -، وإنَّا على ثِقةٍ أنَّكُمْ من أهلِ الدِّرايةِ والنَّظرِ، فلستم ممّن يُمِرُّ المسائلَ دونَ تمحيصٍ، ولستم ممَّن يأخذُ العِلمَ بغيرِ تأمّلٍ ونظرٍ، معَ ما منَّ اللهُ بهِ عليكُم من العِلمِ والفهمِ.
إلا أنَّ النفوسَ تطمئنُّ بذِكرِ الموافِقِ وتأنسُ بهِ، وأذكرُ أنَّ بعضَ أشياخِنا ذكرَ أن معنى الصلاةِ في اللغةِ هوَ العطفُ والحنوّ، وأطالَ في ذلِكَ بذكر حججِهِ، وأنتَ تعرِفُ أنّ الشائعَ أن معناها الدعاء بل كلّ الكتبِ المتأخِّرةِ لا تذكرُ إلا هذا، حتى لا يكادُ أحدٌ يعرِفُ المعنى الذي ذكرَهَ الشيخُ، على أنَّه احتجَ لهُ بما لا يُدفع! وذكرَ أنَّ بعضهم استنكرَ عليهِ ما قالَ لأنَّهم لايعرفونهُ!، إلا أنَّه قالَ في خاتمةِ تقريرِهِ، وهذا الذي ذكرناهُ هوَ الذي قررهُ السهيليُّ في (نتائجِ الأفكارِ) وابنُ القيِّمِ في (بدائعِ الفوائدِ) وابنُ هشامٍ في (مغني اللبيبِ) والمُلوي في (شرحِ السلمِ المنورقِ)!
فأنِسنا بهم جِدَّاً!
وليسَ لردّي هذا علاقةٌ بما أوردَه الأخُ فإنِّي والله لا أراكم إلا أصحابَ تريُّثٍ، وأنتَ تجِدُ من يَستَنكِرُ القولَ لأجلِ قائلِهِ ويأخذ بالآخرِ لأجلِ قائلِهِ!، وهذا قلَّد الأوثقَ عندَه، فهوَ مقلِّدٌ وليسَ للمقلِّدِ الردّ على العالِمِ النَّاظرِ؛ إذ العالمُ يقولُ القولَ بحجّتِهِ، فلا يُرَدُّ عليهِ إلا بِمثْلِها.
وأنا أعلمُ أنَّكَ من بعضِ هؤلاءِ في مؤنةٍ عظيمةٍ!، فاصبرْ واحتسِبْ، وليسَ كلامُ الجرجانيِّ حقٌ لا يُجوزُ غيرُهُ ولا إجماعاً لا يُخرَمُ ولايسوغُ خِلافهُ، بل هوَ تأمُّل ونظرْ، وكلامكم تأمُّلٌ ونظَر، فليسَ لأحدٍ أن يَردّ أحدَهُما لأجلِ قائلِهِ، بل لهُ أن يرَدُّهُ بدليلِهِ وحجّتهِ.
هه، لقد أفرغتُ ما في صدري، فارتحتُ! (ابتسامةُ مسرورٍ)
ـ[فيصل المنصور]ــــــــ[15 - 04 - 2010, 01:26 م]ـ
شكرَ الله لك أخي الأديب اللبيب/ الأديب الأثري
قلتَ:
وأنتَ تجِدُ من يَستَنكِرُ القولَ لأجلِ قائلِهِ، ويأخذ بالآخرِ لأجلِ قائلِهِ!، وهذا قلَّد الأوثقَ عندَه، فهوَ مقلِّدٌ. وليسَ للمقلِّدِ الردُّ على العالِمِ النَّاظرِ؛ إذ العالمُ يقولُ القولَ بحجّتِهِ، فلا يُرَدُّ عليهِ إلا بِمثْلِها.
وهذا كلامٌ شريفٌ.
بوركتَ.
¥