ـ[عبد الرؤوف أبو شقرة]ــــــــ[15 - 04 - 2010, 03:39 م]ـ
أخي الكريم،
الواجبُ على من لا يجِد من نفسِه القدرةَ على النظرِ، ومعالجةِ المسائلِ أن يلتزمَ التريُّثَ، ويقِفَ حيثُ يرَى علمه يقِفُ. فأمَّا مَن يجِدُ من نفسه غيرَ ذلكَ، فالواجبُ عليه أن يبيِّنَ ما لاحَ لهُ من الحقِّ، ويصدَع بما هداهُ إليه بحثُه سواءٌ كانَ في هذا موافقةُ غيره، أم مخالفتُه. وأنا ولله الحمدُ أعرِفُ قدرَ نفسي كلَّ المعرفةِ، فلا أتكلّم في المسألة من العِلْم حتَّى أكونَ عليمًا بها، وحتى أردِّدَ فيها نظري، وأُجيلَ فيها فِكري، فإن كانَ لكَ ردٌّ على شيءٍ من هذا بالحُجَّة، والبيِّنة، فهاتِه نستفدْ منه، وإن كانَ غرضُك التماسَ المعاذيرِ لعبدِ القاهر، والاحتجاجَ لقاعدتِه هذه، حتى وإن كانَ دونَ هذا ركوبُ الباطلِ، وتنكُّبُ الحقِّ، فليسَ هذا من عملي، ولا هو من منهجي الذي ارتضيتُه في العِلْم. وإن كنتَ تطلبُ أحدًا يؤيِّدني على هذا الرأي، فإني أقولُ: وهل الحقُّ يُدرَك بالحُجَّة، أم بكثرةِ الأصواتِ؟!
عزيزي ما قصدته من كلامي هو ما يحصل كثيرا من مباشرة الإنكار على العلماء المتقدمين قبل الوقوف على حقيقة آرائهم، وأنا لم أطرح هذه القضية أصلا إلا لعدم انسجامها مع ما ذكره الإمام عبد القاهر رحمه الله ومن تبعه، فأردت أولا معرفة إن كان هناك تفصيلا أو استثناء لم أنتبه له لمثل هذا الحديث، فقد تعلمنا من مشايخنا الصبر والتريث مع العلماء ..
أما أنتم فلا نشك في سعة علمكم ولولا ذا ما انضممت إلى هذا الملتقى المبارك فقد وجدت فيه سعة العلم والاطلاع ولم أطرح هذه المسألة إلا هنا لثقتي بكم ..
وليست المسألة تقليدا -وأن كنت مقلدا- إنما لا يعقل -بالنسبة لي- أن تكون هذه القاعدة انطلقت من إمام البلاغة ثم تبعه جميع العلماء على مر العصور دونما نكير ونحن نجدهم يقفون على كل لفظة بالتدقيق والتمحيص لذا حاولت إحسان الظن وتلمس الأعذار لهم قبل المسارعة في تخطئتهم وما هذا بالتقليد الأعمى إنما هو إحسان الظن بهم، فعدت أبحث عن أقوال أخرى في هذه القاعدة لم أطلع عليها واتهمت فهمي بالخطأ قبل اتهام غيري .. وآخر شيء أطرقه هو رد أقوال العلماء جميعا واستحداث قول جديد، ولا زلت لا أجرؤ على اقتحام هذا الباب (فأنا طالب علم ليس أكثر).
ومع ذلكَ فهذا كلام لمحمد أبي موسَى في كتابه (خصائص التراكيب)، يقول فيه:
(ولعل الذي أغرى عبد القاهر بالقطع بأن (مثل ما أنا فعلت) يفيد الاختصاص قطعًا، هو ما لحظه من تسلُّط النفي على الفاعلِ، ففهِمَ من ذلك أن النفيَ خاصٌّ بالفاعلِ، وأن الفعلَ غيرُ منفيٍّ ...
والذي قاله عبد القاهر في هذا مع دِقَّته التي أغرَت الباحثين من بعده ليس عندنا على إطلاقِهِ، وإنما هو أمرٌ غالبٌ لا لازمٌ، لأن المتكلم حين يسلط النفيَ على الفاعل لا يلزَمُ منه ثبوتُ الفعل، لأن الفعلَ مسكوت عنه، فيمكن أن يكون ثابتًا كما في أمثلة الاختصاص التي ذكرها عبدُ القاهر، وقد يكون غيرَ ثابتٍ كما في قولنا: (ما أنا قلت هذا) أي: هذا الذي تزعمون أنه قد قيل. نعم يمكنك في هذا المعنى أن تقول: (ما قلت هذا)، ولكنك قدمتَ الفاعل للاهتمام، والرغبة في توكيد نفي الفعل عنه. وقد جاء هذا التركيبُ في القرآن الكريم من غير أن يكون دالاًّ على الاختصاص. وذلك كقوله تعالى: ((لو يعلم الذين كفروا حينَ لا يكفّون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون * بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردَّها ولا هم يُنظَرون)).
فقوله: ((ولا هم ينصرون))، ((ولا هم ينظرون)) قدّم فيه المسند إليه على الخبر الفعلي وهو مسبوق بحرف النفي، ومع هذا يفيد التقوية فقط، لأن الاختصاصَ يعني أن غيرَهم يُنصر من عذاب الله، ويُنظر حين تأتيه الساعة.وذلك لا يكون). ا. هـ.
قالَ أبو قصيٍّ:
هذا كلامُ أبي موسَى بنصِّه. وهو شيخُ البلاغيِّين في هذا العصر.
ولا ها اللهِ ما أخذتُّ من كلامه حرفًا واحدًا، بل ما وقعتُ عليه إلا بعد ما انتهيتُ من الردِّ الأوَّلِ. وإنما هو من عجيبِ الاتفاق.
هذا إن دل على شيء فإنما يدل على رسوخ علمكم ودقة نظركم، وأشكرك أخي العزيز على هذا النقل فإنه مفيد لي في هذا الباب ..
وللأمانة العلمية فقد وجدت نصا للإمام الدسوقي رحمه الله فيه إشارة إلى أن هذه القاعدة غير مطردة، أنقلها لكم بتمامها ..
قال الإمام القزويني في التلخيص ما نصه "قال عبد القاهر وقد يقدم ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي إن ولي حرف النفي نحو ما أنا قلت هذا أي لم أقله مع أنه مقول لغيري ولهذا لم يصح ما أنا قلت ولا غيري ولا ما أنا ضربت زيدا" اهـ
قال الإمام الدسوقي رحمه الله "قوله (لا يصح) أي إذا قصد التخصيص وأما إذا قصد الإخبار بمجرد عموم النفي صح ذلك وكان قوله ولا غيري قرينة على ذلك" اهـ كلامه
(حاشية الدسوقي على المختصر ضمن شروح التلخيص، دار البصائر ص398 م1)
ولا أخفيكم أن حيرتي زادت بعد هذا النقل أيضا، فهو كلام عارض للدسوقي ولم يبسط الكلام في هذه الجزئية كعادته، ولو كان الأمر كذلك لأطال الكلام فيه!!
لذا سأعود لبحث هذه المسألة بعمق أكثر .. وإلى ذلك الحين بارك الله فيك على تعقيبك هذا.
وأرجو أن لا بتخلوا علينا من مداخلاتكم
بارك الله فيكم وأحسن إليكم
¥