ملتقي اهل اللغه (صفحة 2695)

ومثال الثالث: قوله تعالى: ?اليوم أكملت لكم دينكم?، ويسمى هذا حضوريا.

والمراد بقوله: «أو حقيقة» أن "أل" تأتي للحقيقة، والحقيقة في اللغة فعيلة من الحق بمعنى الثابت، والمراد بها هنا: "مفهوم المسمى من غير اعتبار لما صدق عليه من الأفراد"، فالمعنى: أن المسند إليه يعرف بأل إشارة إلى الحقيقة، ومثاله: الرجل خير من المرأة، وتسمى أل الجنسية؛ وذلك لأن الإشارة فيها إلى الجنس بقطع النظر عن الأفراد.

وقوله: «وقد يفيد الاستغراق»: الواو استئنافية، و «قد» حرف تجويز، و «يفيد» فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هو، أي التعريف بأل التي للحقيقة، و «الاستغراق» مفعول به للفعل يفيد، والاستغراق في اللغة مأخوذ من الغرق، وهو الرسوب في الماء، والمراد به هنا: "الشمول لجميع الأفراد بحيث لا يخرج عنه شيء"، فالمعنى: أن المسند إليه قد يعرف بأل التي للحقيقة بقصد إفادة الاستغراق، والاستغراق ينقسم إلى قسمين:

استغراق حقيقي: وضابطه: أن يراد كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب اللغة، ومثاله قوله تعالى: ?عالم الغيب والشهادة?.

استغراق عرفي: وضابطه: أن يراد كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب العرف، ومثاله: جمع الأمير التجار، أي تجار مملكته.

وقوله: «أو لما انفرد»: «أو» عاطفة على ما سبق، و «لما» جار ومجرور متعلق بالفعل يفيد، وما موصولة بمعنى الذي، و «انفرد» فعل ماضٍ والفاعل مستتر فيه تقديره هو يرجع إلى الذي، والجملة من الفعل والفاعل صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والمعنى أن المسند إليه قد يعرف بأل التي للحقيقة بقصد إفادة واحد من الأفراد عهديته حاصلة في الذهن، وهذا حيث لا عهد في الخارج، وهو في معنى النكرة، ومثاله: اشتر اللحم.

.............................................

وبإضافة فللاختصارِ * نعم، وللذم أو احتقارِ

.............................................

قوله: «وبإضافة»: الواو استئنافية، وفي البيت كلام محذوف تقديره إن تكن معرفا بإضافة، فـ «بإضافة» جار ومجرور متعلق ب"معرفا" المحذوف، وقوله: «فللاختصار»: الفاء واقعة في جواب الشرط، و «للاختصار» جار ومجرور متعلق بخبر محذوف تقديره كائن، وخبره محذوف تقديره: فالتعرف بها للاختصار، والإضافة في اللغة: مطلق الإسناد، ومن ذلك قول الشاعر [الطويل]:

فلما دخلناه أضفنا ظهورنا * إلى كل حاريٍ جديدٍ مُشطّبِ

والمعنى أسندنا ظهورنا، وفي اصطلاح أهل العربية: "إسناد اسم إلى غيره بتنزيل الثاني منزلة تنوينه أو ما يقوم مقامه"، والاختصار في اللغة: حذف الفضول من كل شيء، ومعنى الشطر أن المسند إليه يعرف بالإضافة لكونه أخصر طريق إلى إحضاره في ذهن السامع، ومثاله: قولك جاء غلامي، فهو أخصر من قولك جاء الغلام الذي لي، ومن ذلك قول جعفر بن عُلبة الحارثي [الطويل]:

هواي مع الركب اليَمانِينَ مصعدٌ * جنيبٌ وجثماني بمكة موثقُ

فهذا أخصر مما لو قال: الذي أهواه، ويصلح هذا البيت مثالا لغرض آخر وهو ضيق المقام لفرط الضجر والسآمة.

وقوله: «نعم»: حرف جواب لا محل له من الإعراب، ذكره تتميما للبيت، وقوله: «وللذم»: الواو عاطفة، و «للذم» الذم في اللغة: اللوم في الإساءة، والمعنى أن المسند إليه يعرف بالإضافة لأجل تضمنها ذما للمضاف أو المضاف إليه أو غيرهما.

ومثال الأول: ولد الظالم حاضر.

ومثال الثاني: صديق زيد ظالم.

ومثال الثالث: ولد الظالم جليس زيد.

قوله: «أو احتقار»: «أو» عاطفة على ما سبق، وهي للتنويع، و «الاحتقار» في اللغة: الاستصغار.

والمعنى أن المسند إليه يعرف بالإضافة لأجل تضمنها تحقيرا للمضاف، أو المضاف إليه، أو غيرهما.

ومثال الأول: ولد الحجام حاضر.

ومثال الثاني: ضارب زيد حاضر.

ومثال الثالث: ولد الحجام جليس زيد.

وقد يعرف المسند إليه بالإضافة لأغراض أخرى لم يذكرها الناظم رحمه الله، ومنها:

- تعذر التعدد: ومثاله: أهل بريدة كِرام.

ومن ذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه [الكامل]:

أولاد جَفْنَةَ حول قبر أبيهمُ * قبر ابن مارية الكريم المفضلُ

وأولاد جفنة: هم من الغساسنة الذين مدحهم بالشام، وهم كثر.

- الخروج من تبعة تقديم بعضهم على بعض، ومثاله: حضر علماء بريدة.

- تضمنها تعظيم المضاف أو المضاف إليه أو غيرهما.

ومثال الأول: كتاب السلطان حاضر.

ومثال الثاني: تلميذي أمير.

ومثال الثالث: أخو الأمير عند زيد.

- تضمنها لطفا مجازيا: ومن ذلك قول الشاعر [الطويل]:

إذا كوكبُ الخرقاء لاح بسحرهِ * سهيل أذاعت غزلها في الأقاربِ

فأضاف هنا الكوكب إلى الخرقاء لأدنى ملابسة، وهي أنها لا تَجِدُّ في صنع كسوة الشتاء إلا وقت طلوع سهيل سَحَراً، وهو لا يطلع إلا في الشتاء، فأضيف المسند إليه لاعتبار لطيف، وهو أن هذه المرأة كسولة ومهملة، وأن هذا الكوكب كأنما خلق لأجلها، ووراء هذه الإضافة معانٍ لطيفة كالمداعبة والمزاح والحث على الجد وترك الإهمال.

................................

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015