وقوله: «والبسط»:الواو عاطفة على ما سبق، والبسط: نقيض القبض، والمراد هنا أن الذكر يأتي بقصد بسط الكلام مع من تحب طول مكالمته، وهذا هو الغرض الثالث من أغراض ذكر المسند إليه ومثاله:
قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ?هي عصاي?.
وقوله: «والتنبيه»:الواو عاطفة على ما سبق، والتنبيه في اللغة: الإيقاظ، والمراد هنا أن الذكر يأتي بقصد التنبيه على جهل وغباوة المخاطب، وهذا هو الغرض الرابع من أغراض ذكر المسند إليه، ومثاله:
قولك للمستغيث بالمقبور: المقبور لا ينفع ولا يضر.
وقوله: «والقرينة»: الواو عاطفة على ما سبق، والقرينة في اللغة: فعيلة بمعنى مفعولة أي مقرونة أي متصلة، والمراد أن الذكر يأتي لضعف الاعتماد على القرينة في إفهام المخاطب، وهذا هو الغرض الخامس من أغراض ذكر المسند إليه.
ومثاله: قولك: عمر نعم الزعيم، تقول ذلك إذا سبق لك ذكر عمر وطال عهد السامع به.
وللذكر أغراض أخرى لم يذكرها الناظم -رحمه الله-، ومنها:
- كونه الأصل ولا مقتضي للعدول عنه، ومثاله: زيد قائم، ولا مقتضي للحذف.
-زيادة الإيضاح، ومثاله: قوله تعالى:? أولئك على هدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون?، كرر اسم الإشارة لزيادة الإيضاح فكما أنه ثبت لهم الهدى فإن الفلاح ثابت لهم أيضا.
- التسجيل على السامع (أي: كتابة الحكم عليه عند القاضي) حتى لا يتمكن من الإنكار، ومثاله: أن يقول القاضي هل أقر زيد هذا على أن عليه كذا من المال؟ فيقول الشاهد: نعم زيد هذا أقر بأن عليه من المال كذا.
- التلذذ بذكره، ومثاله: قول الشاعر [البسيط]:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا * ليلايَ منكن أم ليلى من البشر.
.................................................. .
وإن بإضمار تكن معرفا * فللمقامات الثلاث فاعرفا
..................................................
هذا شروع منه رحمه الله في الحال الثالث من أحوال المسند إليه، وهو التعريف، والتعريف إما بالإضمار، وإما بالعلمية، وإما بالإشارة، وإما بالموصولية، وإما بأل، وإما بالإضافة، وإما بالنداء، ولكل منها أغراض يأتي ذكرها في كلام الناظم رحمه الله، وإنما قدم هنا التعريف وفى المسند التنكير، لأن الأصل في المسند إليه التعريف فيما إذا كان مبتدأً، وفي المسند التنكير، وبدأ من المعرفات بالضمير، لأنه أعرف المعارف.
قوله: «وإن بإضمار تكن معرفا»: الواو استئنافية، و «إن» شرطية، و «تكن» فعل الشرط، واسمها محذوف مقدر تقديره أنت، والمراد المتكلم، ومعرفا خبرها، وبإضمار جار ومجرور متعلق باسم الفاعل معرفا، فترتيب الشطر: إن تكن معرفا بإضمار، وقوله بإضمار مصدر من الفعل أضمر بمعنى أخفى وستر، والإضمار في الاصطلاح: التعبير بالضمير، والضمير: "ما دل على متكلم كأنا، أو مخاطب كأنت،
أو غائب كهو"، وتسميته بالضمير مذهب البصريين، وعند الكوفيين يسمى بالكناية، والتعريف في اللغة مصدر عرَّف بالتشديد بمعنى علّم، والتعريف في الاصطلاح: التعبير بالمعرفة، والمعرفة:"اسم دل على معين".
وقوله: «فللمقامات الثلاث فاعرفا»: الفاء واقعة في جواب الشرط، وللمقامات جار ومجرور متعلق بخبر محذوف تقديره كائن، ومبتدأ الخبر محذوف تقديره: التعريف بالإضمار للمقامات الثلاث (يكثر حذف المبتدأ بعد فاء الجزاء)، و «الثلاث» صفة للمقامات، وقوله: «فاعرفا»: الفاء عاطفة واعرفا فعل أمر والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة؛ فالأصل فاعرفن، وهذه الجملة تكملة، والمراد بالمقامات الثلاث: التكلم، نحو: أنا كتبتُ، والخطاب، نحو: أنت كتبتَ، والغيبة، نحو: هو كتبَ، ولابد في الأخير من تقدم ذكره لفظا أو تقديرا أو معنى، بأن يدل عليه لفظٌ أو قرينةُ حالٍ، وسيأتي التمثيل له إن شاء الله تعالى.
* وأغراض كون المسند إليه ضميرا ما يلي:
- أن يكون الكلام في مقام التكلم، ومثاله:
قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».
- أن يكون الكلام في مقام الخطاب، ومثاله:
قول الشاعرة (أميمة امرأة ابن الدمينة) [الطويل]:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني * وأشمتّ بي من كان فيك يلومُ
- أن يكون الكلام في مقام الغيبة: ولابد من تقدم ذكره:
إما لفظا، كقوله تعالى: ?فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحكمين?.
وإما معنى، كقوله تعالى: ?وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم?، أي: الرجوع.
¥