القسم الأول: ما يظهر عند الإعراب، مثاله: أهلا وسهلا، فإن نصبهما يدل على ناصب محذوف، والتقدير: جئت أهلا، ونزلت مكانا سهلا، وليس هذا القسم من البلاغة في شيء.
والقسم الثاني: ما ليس كذلك، بل يظهر بتأمل المعنى، وفي هذا تظهر أسرار البلاغة ودقائقها، وله أغراض ذكر الناظم -رحمه الله- منها أربعة:
أحدها: الصون، والصون في اللغة: الحماية، والمراد بالصون هنا: صونه -أي المسند إليه- عن لسانك لأنه في نظرك عظيم، أو صون لسانك عنه لأنه حقير، ومثال الأول قول الشاعر [الطويل]:
نجوم سماء كلما انقضَّ كوكب * بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
وأصل الكلام: هم نجوم سماءٍ، حذف المسند إليه لصونه عن اللسان لعظم قدره.
ومثال الثاني قول الشاعر [البسيط]:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهمُ * واستوثقوا من رتاج الباب والدار
وأصل الكلام: هم قومٌ، حذف المسند إليه لصون اللسان عن ذكره لأنه حقير.
وقوله: «وللإنكار»:الواو عاطفة على ما سبق، والإنكار في اللغة الجحد، والمراد هنا أن الحذف يكون بقصد تيسير الإنكار عند الحاجة إليه، وهذا هو الغرض الثاني من أغراض حذف المسند إليه، ومثاله: أن يقول قائلٌ: سارق، أي زيد لقيام القرينة على أنه المراد، وذلك ليتأتى له أن يقول ما أردت زيدا بل غيره.
وقوله: «وللاحتراز»: الواو عاطفة على ما سبق، والاحتراز لغة: التحفظ، والمراد هنا أن الحذف يكون بقصد الاحتراز عن العبث بذكر ما يمكن أن يستغنى عنه، وهذا هو الغرض الثالث من أغراض حذف المسند إليه، ومثاله: قول من رأى الهلال: الهلال، والتقدير: هذا الهلال.
وقوله: «وللاختبار»: الواو عاطفة على ما سبق، والاختبار في اللغة: الامتحان، والمراد هنا أن الحذف يكون بقصد الامتحان للمخاطب، وهذا هو الغرض الرابع من أغراض حذف المسند إليه ومثاله: نورٌ مستفاد من نور الشمس، والتقدير: القمر نور مستفاد من نور الشمس.
وللحذف أغراض أخرى لم يذكرها الناظم رحمه الله، ومنها:
-ستره -أي المسند إليه- عن غير المخاطب من الحاضرين، مثاله: قولك: جاء، تريد زيدا لمن عرفه معك.
- ضيق المقام عن ذكره بسبب توجع وضجر، ومثاله قول الشاعر [الخفيف]:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليلٌ * سهرٌ دائمٌ وحزنٌ طويلُ
فتوجعه لا يناسب معه أن يقول: أنا عليل.
- خوف فوات فرصة سانحة إذا ذُكر، ومثاله: قول منبهٍ على صيدٍ: غزال!، إذ لو قال له هذا غزال لفات صيده.
- المحافظة على السجع: ومثاله: من طابت سريرته، حمدت سيرته، إذ لو قال حمد الناس سيرته لم يستقم السجع.
- المحافظة على القافية: ومثاله: قول الشاعر [الطويل]:
وما المال والأهلون إلا وديعة * ولابد يوما أن ترد الودائع
فلو قال يرد الناس الودائع لاختلفت القافية.
- المحافظة على الوزن: ومثاله: قول الشاعر [الطويل]:
على أنني راضٍ بأن أحملَ الهوى * وأخلص منه لا علي ولا وليا
أي لا علي شيء ولا لي شيء، وقد حذف لأجل الوزن.
- اتباع العرب في استعمالهم: ومثاله: رمية من غير رامي، والأصل: هذه رمية، ولكن حذف المسند إليه إتباعا للعرب، فإنما استعملته هكذا.
- تعجيل المسرة والبشرى: ومثاله: قولك لصديق تبشره حين عثرت على اسمه في الناجحين: ناجحٌ، فتعجيل المسرة لا يناسب معه أن تقول: أنت ناجح.
.................................................. .
والذكر للتعظيم والإهانةِ * والبسط والتنبيه والقرينةِ
.................................................. .
قوله: «والذكر للتعظيم»: الواو استئنافية، و «الذكر» مبتدأ مرفوع، و «للتعظيم» جار ومجرور متعلق بخبر محذوف تقديره كائن، والذكر لغة ضد النسيان، والذكر هو الحال الثاني من أحوال المسند إليه.
وله أغراض ذكر الناظم رحمه الله منها خمسة، وقوله: التعظيم: التعظيم في اللغة الإجلال، والمراد هنا أن الذكر يقصد به تعظيمه -أي المسند إليه-، وهذا هو الغرض الأول من أغراض ذكر المسند إليه،
ومثاله: أمير المؤمنين حاضر.
وقوله: «والإهانة»: الواو عاطفة على ما سبق، والإهانة في اللغة: الاحتقار، والمراد هنا أن الذكر يأتي بقصد إهانته -أي المسند إليه-، وهذا هو الغرض الثاني من أغرض ذكر المسند إليه، ومثاله: السارق اللئيم حاضر.
¥