وحد المقام الإنكاري عندهم: "أن يكون المخاطب منكرا للحكم".
وقولنا: بقدر الإنكار، أي يجب زيادة التأكيد بحسب زيادة الإنكار إزالة له.
والمثال المشهور هنا ما جاء في الكتاب حكاية عن أصحاب القرية أنهم قالوا إذ كذبوا في المرة الأولى: ?إنا إليكم مرسلون? مؤكدا بإن، واسمية الجملة، وقالوا في المرة الثانية:?ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون? مؤكدا بإن، واللام، واسمية الجملة لمبالغة المخاطبين في الإنكار حيث قالوا: ?ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنت إلا تكذبون?.
((وقد ذهب بعض البلاغيين إلى أن الآية تضمنت مؤكدا رابعا وهو القسم في قوله ربنا يعلم، وأن هذا قسم استعملته العرب في أحيان قليلة وذكروا لذلك شاهدا، وأيدوا مذهبهم بأن جمعا من الفقهاء اعتبره كذلك وأوجب فيه الكفارة عند الحنث، والصحيح أنه مؤكد لكنه ليس بقسم، وكون العرب استعملته لا يلزم أن يكون قسما، وبناء على ذلك فلا كفارة على من حنث فيه)).
<<فائدتان>>:
1 - يسمي البلاغيون إخراج الكلام على الوجوه السابقة وهي: الخلو عن التأكيد في الأول، والتقوية بمؤكد استحسانا في الثاني، ووجوب التأكيد بقدر الإنكار في الثالث ((إخراجا على مقتضى الظاهر)) أي ظاهر الحال.
2 - العلاقة بين مقتضى ظاهر الحال ومقتضى الحال:
العلاقة بينهما العموم والخصوص المطلق، فكل مقتضى الظاهر-أي ظاهر الحال-مقتضى الحال من غير عكس، كما هو الحال في صورة إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر فإنه يكون على مقتضى الحال، ولا يكون على مقتضى الظاهر، وسيأتي بيانه لاحقاً إن شاء الله تعالى.
قوله: «ويحسن التبديل»: الواو عاطفة على ما سبق، و «يحسن» فعل مرفوع، و «التبديل» فاعله، و «يحسن» فعل مضارع من الحسن، والحسن نقيض القبح، و «التبديل» مصدر للفعل بدل بمعنى غير الشيء، فالتبديل تغيير الشيء، وقوله: «بالأغيار» جار ومجرور متعلق بالمصدر (التبديل)، والأغيار جمع غير على زنة أفعال، والغير الاسم من قولك غيرت الشيء، والمعنى أنه يحسن (ولا يجب) تنزيل المقام -أي حال المخاطب- منزلة غيره، وتبديله به، وهذا هو مبحث إخراج الكلام عن مقتضى الظاهر، وكلامه رحمه الله ليس على إطلاقه بل إذا اقتضى ذلك الحال، لكن لما كان هذا قيدا معلوما من حد علم المعاني لم يذكره.
وبناء على ماتقدم:
- فينزل خالي الذهن منزلة المتردد إذ قدم له في الكلام ما يلوح بالخبر الذي سيلقيه عليه، لأنه إذا فعل ذلك معه استشرف للخبر استشراف المتردد.
ومثاله: قوله تعالى: ?ولا تخاطبني في الذين ظلموا? فينهى الله عز وجل في هذه الآية نوحا -عليه السلام - عن الشفاعة لقومه وهذا يشعر بأنهم سيعذبون، فصار المقام مقام تردد هل سيعذبون؟!، فقال:?إنهم مغرقون? بالتأكيد.
- وينزل المنكر منزلة غير المنكر إذا ظهر عليه شيء من علامات الإنكار، ومنه قول حجل بن نضلة القيسي [السريع]:
جاء شقيق عارضا رمحه * إن بني عمك فيهم رماح
فشقيق لا ينكر أن في بني عمه رماحا، لكن مجيئه واضعا الرمح عرضا (إما على كتفيه وإما على فخذيه) من غير التفاتٍ وتهيؤٍ علامة على أنه يعتقد أنْ لا رماح فيهم، فنزله منزلة المنكر.
- وينزل المنكر منزلة خالي الذهن إذ كان لديه دلائل واضحة وبراهين جلية، ومنه قوله تعالى: ?وإلهكم إله واحد? والخطاب للمشركين.
- وينزل المتردد منزلة خالي الذهن فيما إذا كان الخبر مشهورا، ومثاله: قَدِمَ الأمير.
وما تقدم معنا كله في الإسناد الخبري الموجب، والإسناد المنفي مثله تماما في التجريد عن المؤكدات في الابتدائي، وتقويته بمؤكد استحسانا في الطلبي، ووجوب التأكيد بحسب الإنكار في الإنكاري، فتقول لخالي الذهن: ما زيد قائما، أو ليس زيد قائما، وللطالب: ما زيد بقائم، وللمنكر: والله ما زيد بقائم.
قال الأخضري-رحمه الله-في الجوهر المكنون [الرجز]:
والنفي والإثبات في ذا الباب * يجري على ثلاثة الألقاب.
................................................
والفعل أو معناه إن أسنده * لما له في ظاهر ذا عنده
................................................
¥