ومنه أيضا قول أبي العتاهية (ت: 211) [الرجز]:
إن الشباب والفراغ والجده * مفسدة للمرء أي مفسده
<<فائدة: قد ينزل العالم بالفائدة ولازمها منزلة الجاهل، قال الأخضري في الجوهر المكنون [الرجز]:
وربما أجري مجرى الجاهل * مخاطبٌ إن كان غير عامل.
ومثاله: أن يقال لعالم قد حلق لحيته: إعفاء اللحية واجب>>.
وقوله: «وللمقام»:جار ومجرور متعلق بالفعل «انتبه».
والمقام في اللغة محل الإقامة، والمراد هنا -على سبيل التجوز- حال المخاطب.
«انتبه»: فعل أمر من النبه الذي هو الفطنة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والمراد به المخبر.
وقوله «وللمقام انتبه» من حيث المعنى متعلق بالبيتين اللاحقين.
...........................................
إن ابتدائيا فلا يؤكد * أو طلبيا فهو فيه يحمد
...........................................
«إن ابتدائيا»: إن شرطية، و «ابتدائيا»: خبر كان المحذوفة مع اسمها.
فالمقرر في علم النحو جواز حذف كان واسمها بعد إن ولو الشرطيتين، قال ابن مالك-رحمه الله-[الرجز]:
ويحذفونها ويبقون الخبر * وبعد إن ولو كثيرا ذا اشتهر
والتقدير إن كان المقام ابتدائيا فلا يؤكد، وقوله ابتدائيا مصدر منسوب فعله ابتدأ بمعنى شرع في الشيء، فالابتدائي المنسوب للشروع في الشيء، والمقام الابتدائي عند البلاغيين: "أن يكون المخاطب خالي الذهن من الحكم، والتردد فيه"،
والمراد بالحكم الإسناد، والضمير في قولنا فيه يرجع إلى الحكم.
وقوله: «فلا يؤكد»: الفاء واقعة في جواب الشرط، ولا نافية مبنية على السكون لا محل لها من الإعراب، و «يؤكد» فعل مغير الصيغة، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه تقدير هو يراد به الحكم، والجملة الفعلية المكونة من الفعل ونائب الفاعل في محل جزم جواب الشرط، <واقتران الفاء بالجواب هنا وجوبا لعدم صلاحيته لمباشرة الأداة>.
والنفي هنا بمعنى النهي، والتوكيد في اللغة التقوية، والمعنى لا يجوز توكيد الحكم لخالي الذهن، فإذا أردت أن تخبر خالي الذهن بقيام زيد فيجب عليك أن تورد الخبر من غير توكيد، فتقول زيد قائم، والمأخذ أن التوكيد لمن هذه حاله من باب العبث، إذ هو قدر زائد عن الحاجة، وما كان كذلك فيجب تركه.
وقوله: «أو طلبيا»: «أو» عطف على قوله (إن ابتدائيا)، و «أو» هنا للتقسيم، وقوله: «طلبيا» يقال فيه من حيث الإعراب مثل ما قيل في قوله «إن ابتدائيا»، وقوله: «طلبيا» مصدر منسوبٌ فعله طلب بمعنى حاول في تحصيل الشيء، فالطلبي: المنسوب لمحاولة تحصيل الشيء، والمقام الطلبي عند البلاغيين: "أن يكون المخاطب مترددا في الحكم طالبا له".
وقوله: «فهو فيه يحمد»: «فهو» الفاء واقعة في جواب الشرط، والضمير (هو) مبتدأ مرفوع يرجع إلى التوكيد. وقوله: «فيه» جار ومجرور متعلق بالفعل «يحمد»، والضمير في قوله «فيه» يرجع إلى المقام الطلبي، و «يحمد» فعل مضارع فاعله ضمير مستتر فيه تقديره هو يرجع إلى التوكيد، والجملة الفعلية المكونة من الفعل وفاعله في محل رفع خبر للمبتدأ (هو)، والجملة الاسمية «هو يحمد» في محل جزم جواب الشرط. والحمد لغة نقيض الذم.
والمعنى: يحسن (ولا يجب) توكيد الحكم للمخاطب المتردد الطالب للحكم، فإذا أردت أن تخبر المتردد الطالب للحكم بقيام زيد فيحسن عليك أن تورد الخبر مؤكدا، فتقول إن زيدا قائم.
وقيد بعض البلاغيين هذا الحكم-أي حسن التوكيد في المقام الطلبي- بما إذا كان المخاطب ظاناً خلاف الحكم.
والأول أقرب فالتردد معنى مناسب للتوكيد في هذه الحال وبهذا تخرج زيادته-أي التوكيد- عن حد العبث.
والذي يظهر لي أنه يؤكد الحكم في الطلبي بمؤكد واحد فقط، لأن الزيادة عن واحد ضرب من العبث وهو ممنوع.
..................................................
وواجب بحسب الإنكار * ويحسن التبديل بالأغيار
..................................................
قوله: «وواجب»: الواو عاطفة على ما سبق، وقوله: «واجبٌ»، الواجب في اللغة اللازم <وليس لزوما شرعيا بل بلاغيا بحيث أن من لم يأت به خطئ عند البلغاء>، وقوله: «بحسب الإنكار» «بحسب» جار ومجرور متعلق باسم الفاعل واجب، وهو مضاف و «الإنكار» مضاف إليه.
والحسب في اللغة قدر الشيء، والإنكار مصدر أنكر بمعنى جحد، فالإنكار الجحود، والمعنى يجب التوكيد في المقام الإنكاري بقدر إنكار المخاطب.
¥