وقوله «يأتي بها مطابقا للحال»: قيد احترز به عن الأحوال التي ليست على هذه الصفة، مثل: الإعلال والإدغام والرفع والنصب وما أشبه ذلك.
...............................................
عرفانها علم هو المعاني * منحصر الأبواب في ثمان
................................................
«عرفانها»: عرفان مبتدأ مرفوع وهو مضاف، والضمير المتصل مضاف إليه، والضمير يعود إلى أحوال اللفظ العربي التي يأتي بها مطابقا للحال.
والعرفان لغة: العلم، وقوله: «علم» خبر المبتدأ «عرفان» مرفوع به، وقوله: «هو» مبتدأ مرفوع يعود إلى «علم»، و «المعاني» خبر للمبتدأ «هو» مرفوع به.
وأراد الناظم-رحمه الله- في ما سبق حدَ علم المعاني، وأنه في الاصطلاح عند البلاغيين:
"علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي يأتي بها مطابقا للحال".
وقدم -رحمه الله- البحث في علم المعاني على البحث في علم البيان، لكونه منه بمنزلة المفرد من المركب، لأن رعاية المطابقة لمقتضى الحال وهو مرجع علم المعاني، معتبرة في علم البيان مع زيادة شئ آخر وهو إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة كالتعبير عن اتصاف زيد بالكرم بأنه كثير الرماد، جبان الكلب، مهزول الفصيل.
وقوله: «منحصر الأبواب»: منحصر صفة لـ «علم»، وصفة المرفوع مرفوعة، وهو مضاف و «الأبواب» مضاف إليه، «ومنحصر» اسم مفعول من الفعل انحصر، والحصر لغة: الجمع، و «الأبواب» جمع باب، والباب لغة: المدخل إلى الشيء، وقيل: فرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج والعكس، وهو حقيقة في الأجسام، مجاز في المعاني كما هنا، وفي الاصطلاح: اسم لجملة من العلم ذاتِ علاقةٍ واحدة، وقوله: «في ثمان»: جار ومجرور متعلق باسم المفعول (منحصر)، وقوله: «ثمان» أصله ثمانية لأن المعدود الذي هو الباب مذكر، وقد حذف آخره من أجل النظم، أو يقال بأن هذا نظرا لأن الباب في اللغة الفرجة وهي مؤنثة.
وأراد الناظم -رحمه الله- أن يبين أن علم المعاني مجموع في ثمانية أبوب، وهي: <<أحوال الإسناد الخبري، أحوال المسند إليه، أحوال المسند، أحوال متعلقات الفعل، والقصر، الإنشاء، والوصل والفصل، والإيجاز والإطناب والمساواة>>.
............................
باب: أحوال الإسناد الخبري
............................
قوله: «باب» تقدم معنا قريبا المراد بالباب لغة واصطلاحا، وتقدم معنا أن الأحوال جمع حال وأن الحال لغة الهيئة والصفة.
و «الإسناد» لغة: مصدر من الفعل أسند، وهو في الأصل ما ارتَفَعَ من الأَرض في قُبُل الجبل أَو الوادي، ثم تجوز به في انضمام الشيء إلى الشيء، و «الخبري» المنسوب إلى الخبر، والخبر ما يدخله الصدق والكذب لذاته، وحُد الإسناد الخبري في الاصطلاح بأنه: "ضم كلمة أو ما يجرى مجراها إلى أخرى بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم أحدهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منفى عنه".
وشرحه: ضم: أي جمع، والكلمة في اللغة: الجمل المفيدة، وفي الاصطلاح: "قول مفرد".
وما يجري مجراها: هذا قيد لإدخال نحو: زيد قام أبوه، فقولنا قام أبوه ليست كلمة بل جملة مفيدة، ولكنها جارية مجرى الكلمة، وقولنا: بحيث يفيد الحكم ... إلخ، قيد يراد به إخراج الإسناد الإنشائي، نحو: قم، أي أنت، والمراد بالمفهوم ما تفهمه الكلمة من معنى، ولا يشكل على هذا ما يقرره المنطقيون من أن المعتبر من جانب الموضوع الذات ومن جانب المحمول المفهوم، وذلك لأن الذات أيضا مما يفهم من اللفظ، ويتضح هذا بالمثال، فهم يقولون أن قولنا مثلا الشجرة مثمرة، المعتبر في الموضوع الذي هو الشجرة الذات لا مفهومها أي معناها، والمعتبر في المحمول الذي هو مثمرة المفهوم لا الذات، فيقال لهم هنا بأن الذات بالنسبة للشجرة مما يفهم أيضا.
وقدم الناظم -رحمه الله- البحث في الخبر لعظم شأنه وكثرة مباحثه، ثم قدم أحوال الإسناد على أحوال المسند إليه والمسند مع تأخر النسبة-أي تعلق الطرفين ببعض-
عن الطرفين لأن البحث في علم المعاني إنما هو عن أحوال اللفظ الموصوف بكونه مسندا إليه أو مسندا وهذا الوصف إنما يتحقق بعد تحقق الإسناد، والمتقدم على النسبة إنما هو ذات الطرفين، ولا بحث لنا عنهما في هذا المقام.
.................................................
إن قصد المخبر نفس الحكم * فسم ذا فائدة وسم
................................................
¥