فالكلام هنا غير ظاهر الدلالة على المراد بسببٍ لا يرجع إلى اللفظ، وهو الانتقال من المعنى الأصلي إلى معنا بعيد يفتقر إلى وسائط عدة، فمعنى البيت: أنني أطيب نفسا بالفراق والبعد، وأتحمل الحزن الذي يفيض الدموع من عيني، لأتسبب في وصل يوم ومسرة لا تنقطع، فجعل سكب الدموع كنايةً عما يلزم عن فراق الأحبة من الحزن، وهذا صواب، وجعل جمود العين كناية عما يقتضيه التلاقي من الفرح، وهذا خطأ، لأنه لا يعرف عند العرب استعمال جمود العين في الفرح، بل هم يستعملونه في الحزن حال إرادة البكاء وعدم حصوله.
وقوله: «إن يكن» أي الكلام الفصيح، «مطابقا»: خبر يكن منصوب بها، والمراد بالمطابقة الموافقة، «للحال»:جار ومجرور متعلق باسم الفاعل مطابق، والمراد بالحال عند البلاغيين: «الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدى به أصل لمراد خصوصية ما، وهي مقتضى الحال».
مثاله: كون المخاطب منكرا للحكم حالٌ يقتضى تأكيدَ الحكم، والتأكيد هو مقتضى الحال، وقولك له إنّ زيدا في الدار مؤكداً بإنّ كلامٌ مطابقٌ لمقتضى الحال.
ومقتضى الحال يسمى عندهم بالاعتبار المناسب، ومقتضى الحال سيتبين من خلال أبواب علم المعاني التي هي:
<<أحوال الإسناد الخبري، أحوال المسند إليه، أحوال المسند، أحوال متعلقات الفعل، والقصر والإنشاء، والوصل والفصل، والإيجاز والإطناب والمساواة>>.
.................................................. .....
9 - فهو البليغ والذي يؤلفه * وبالفصيح من يعبر تصفه
.................................................. ....
قوله: «فهو» أي الكلام الفصيح المطابق لمقتضى الحال، «البليغ»: أي الكلام البليغ.
والبلاغة في اللغة: الوصول والانتهاء، يقال بلغ فلان قصده إذا وصله وانتهى إليه، والبلاغة في الاصطلاح تختلف باختلاف موصوفها، فيوصف بها الكلام والمتكلم فقط، ولا توصف الكلمة بالبلاغة لقصورها عن الوصول بالمتكلم إلى قصده.
وقد حد الناظم رحمه الله الكلام البليغ: «بأنه الكلام الفصيح المطابق لمقتضى الحال»، وتقدم شرحه في البيت السابق.
وقوله: «والذي يؤلفه»: الضمير في قوله «يؤلفه» يعود إلى الكلام البليغ، والتأليف بمعنى التركيب.
ومراده أن الذي يركب الكلام البليغ يسمى بليغا.
فيقال في حد بلاغة المتكلم: «هي ملكة يقتدر بها على تأليف كلامٍ بليغ».
وقوله: «بالفصيح»:جار ومجرور متعلق بالفعل تصف، والضمير في قوله: «تصفه» يعود إلى قارئ النظم، وهو مفهوم من السياق، و «من يعبر»:أي الذي يعبر بلفظ فصيح، والتقدير تصف يا أيها القارئ للنظم بالفصيح الذي يعبر بلفظ فصيح، فهذا بيان منه لفصاحة المتكلم، ويقال في حدها: «ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح».
........................................
ـ[أبو المقداد]ــــــــ[21 - 05 - 2010, 03:58 م]ـ
مالي أرى ملتقاكم يا أهل اللغة قد حذفت منه لوحة التحكم في تنسيق الموضوع؟
قد اجتهدت في تنسيق النص على "الوورد" ثم زال كل ذلك عندما نسخت النص هنا!
فما الحل بوركتم وسددتم؟
ـ[أبو العباس]ــــــــ[22 - 05 - 2010, 07:44 ص]ـ
http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=1374
ـ[عبد الرؤوف أبو شقرة]ــــــــ[22 - 05 - 2010, 01:47 م]ـ
اخي أبا المقداد طابت أناملك ونُوّر قلبُك على هذا الشذرات الطيبة ..
عزيزي هلا أمددتنا بالمتن مفردا، آخذنا بيده نسخة آخرى محضونة بالشروح، لعلّنا نَدرسه ونُدرسه، ونتدارسه معكم.*
دمتم في توفيق الله.
ـ[أبو المقداد]ــــــــ[28 - 05 - 2010, 05:45 م]ـ
الدرس الثاني:
البسملة1
قال الناظم رحمه الله تعالى:
.................................................. .............
والصدق أن يطابق الواقع ما * يقوله والكذب إذ ذا عُدما
.................................................. .....
تقدم معنا أن الباب الأول من أبواب علم المعاني في الخبر والإنشاء، ولما كان الخبر ما يدخله الصدق والكذب لذاته، والإنشاء بخلافه حسُن بيان حدهما قبل الشروع في الكلام عن ذلك الباب.
وكان الأولى بالناظم-رحمه الله-أن يؤخر الكلام عن حدهما إلى ما بعد حد علم المعاني، إذ ذاك محل مناسبته، وعلى هذا سار صاحب التلخيص.
وقوله: «والصدق»: الواو استئنافية، و «الصدق» مبتدأ مرفوع، و «أن» حرف مصدرية ونصب: تنصب الفعل وتأول وما بعدها بمصدر.
¥