الفصاحة لغة: الظهور والبيان، يقال أفصح الصبي في منطقه، إذا بان وظهر كلامه، والفصاحة في الاصطلاح تختلف باختلاف موصوفها، فيوصف بها المفرد، ويوصف بها الكلام، ويوصف بها المتكلم، وفي هذا البيت شرع الناظم -رحمه الله- في بيان حد فصاحة المفرد، قال -رحمه الله-: «فصاحة المفرد»: «فصاحة» مبتدأ مرفوع وهو مضاف و «المفرد» مضاف إليه، وتقدم بيان معنى الفصاحة لغة، والمراد بالمفرد: الكلمة المفردة، وقوله: «في سلامته»: جار ومجرور متعلق بخبر محذوف تقديره كائنة، والسلامة البراءة والخلوص، والضمير في قوله «سلامته» يرجع إلى المفرد، وقوله «من نفرة فيه»: «من نفرة» جار ومجرور متعلق بقوله «سلامته»، و «من» بيانية، المراد منها: بيان ما يجب سلامة المفرد منه ليصدق عليه حد الفصاحة، «نفرة فيه»: أي في المفرد، وهذا هو الأمر الأول الذي يجب سلامة المفرد منه ليصدق عليه حد الفصاحة عند البلاغيين، وهذه النفرة نفرة حروف، والنفرة لغة: التفرق، وفي اصطلاح البلاغيين:
«وصفٌ في الكلمة يوجب ثقلَها على السمع، وصعوبةَ أدائها باللسان»، وسببه في الغالب: أن تكون حروف الكلمة متقاربة في المخرج.
والتنافر نوعان:
1 - شديد الثقل: مثاله: الظش: اسم للموضع الخشن، والهعخع: اسم لنبات ترعاه الإبل.
2 - خفيف الثقل: مثاله: النقاخ: اسم للماء العذب الصافي، ومن ذلك قول امرئ القيس يصف شعر ابنة عمه [الطويل]:
غدائره مستشزرات إلى العلا * تضل العقاص في مثنى ومرسل
والمراد بالغدائر خصل الشعر، ومستشزرات أي مرتفعات (وهنا محل الثقل)، وإلى العلا أي إلى فوق، تضل أي تغيب من الضلالة، والعقاص الخصل المجموعة من الشعر، في مثنى ومرسل أي شعر مثني ومرسل، وأراد بهذا الوصف بيان وفور شعرها، وهو مستحسن في النساء.
وضابط معرفة الثقل والصعوبة في هذا الباب يرجع إلى الذوق الصحيح كما صرح بذلك ابن الأثير في «المثل السائر»، والذوق الصحيح إنما يحصل بالنظر في كلام البلغاء وممارسة أساليبهم.
وقوله: «ومن غرابة»: الواو عاطفة، و «من غرابة»: جار ومجرور متعلق بقوله «سلامته»، وهذا هو الأمر الثاني الذي يجب سلامة المفرد منه ليصدق عليه حد الفصاحة عند البلاغيين.
والغرابة لغة: البعد، وفي الاصطلاح: «كون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى، ولا مأنوسة الاستعمال».
والغرابة نوعان:
1 - ما يرجع إلى تردد اللفظ بين معنيين ولا قرينة، ومثاله قول رؤبة بن العجاج [الرجز]:
ومقلة وحاجبا مزججا * وفاحما ومرسنا مسرجا
والمراد بالمقلة العين، والحاجب معلوم، ومزججا أي مدققا مطولا، وفاحما أي شعرا أسودا كالفحم، ومرسنا أي أنفا، ومسرجا هنا محل الغرابة، فيحتمل إرادة كونه كالسيف السريجي في الاستواء والدقة، ويحتمل إرادة كونه كالسراج في البريق واللمعان لكثرة مائه ورونقه، ولا قرينة.
أما إذا وجدت القرينة فلا غرابة، مثال ذلك:
قوله تعالى: ?فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه?، فالتعزير لفظ مشترك بين التعظيم والإهانة، لكن ذكره للنصر في السياق قرينة على إرادة التعظيم.
2 - ما يرجع إلى حاجة كثرة التفتيش عن معناه، وهو لا يخلو من أمرين:
أ- أن يوجد معناه بعد عناء وتعب، ومثاله قول بشر بن عوانة يصف أسدا [الوافر]:
فخر مضرجا بدم كأني * هدمت به بناءً مشمخرا
والمراد بقوله فخر أي سقط من علو، مضرجا أي ملطخا بالدم، وقوله بدم تأكيد، به أي الأسد، مشمخرا هنا محل الغرابة والمراد به العالي.
ب-أن لا يوجد معناه، مثاله قول أبي الهَمَيْسَع (قيل رجل من أعراب مدين) [الرجز]:
من طمحة صبيرها جَحْلَنْجَعِ* لم يحْضُها الجدول بالتنوع
والطمحة المكان المرتفع، والصبير السحاب، وقوله جَحْلَنجعِ هذا محل الغرابة، قال صاحب القاموس: ذكروا جَحْلَنجعِ ولم يفسروه.
.................................................. ....
6 - وكونه مخالف القياسِ * ثم الفصيح من كلام الناسِ
.................................................. ....
قوله: «وكونه مخالف القياس» معطوف على قوله «سلامته من نفرة».
وهذا هو الأمر الثالث الذي يجب سلامة المفرد منه ليصدق عليه حد الفصاحة عند البلاغيين.
والمخالفة لغة: عدم الموافقة، وفي الاصطلاح عند البلاغيين:
«عدم موافقة الكلمة للقانون الصرفي»، ومثال مخالفة القياس: قول أبي النجم [الرجز]:
الحمد لله العلي الأجلل * الواحد الفرد القديم الأول
¥