ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[17 - 09 - 2010, 11:01 م]ـ
-2 -
إذا كان حديث الشنقيطي قد طرح مشكلة "البلاغة وحدود المعرفة البشرية" فإن حديث ابن قتيبة الآتي يطرح قضية أخرى لا تقل خطورة هي قضية "البلاغة والحرية"…
لعله من غير اللائق أن نخوض كثيرا في الاستدلال على أمر واضح من قبيل عدم إمكان اجتماع البلاغة والضرورة…فالتعبير الضروري –الذي لا خيار فيه، ولا بديل عنه - لا يمكن أن يوصف بحسن أو قبح،كما لا يمكن أن يحصل فيه تفاوت بين المتكلمين…فالبحث عن الوجه البلاغي في التعبير الضروري من جنس المحال المنطقي .. لأنه تحر عن الحسن في موضع لا يحتمله،فضلا عن خرق المجال التداولي الإسلامي فمن المقرر فيه أن القرآن معجز والإعجاز يلزم عنه التفاوت في حسن الكلام والطبقية في توزيع المتكلمين.
خذ هذا المثال:
في بلاغة العربية باب "التنكير والتعريف"، ولم يك هذا الباب ممكنا إلا لأن للمتكلم الحرية في استعمال الكلمة معرفة أو منكرة-في حدود ما يسمح به نظام النحو – فمن الجائز أن نبحث عن النكتة البلاغية في قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ..
فيسأل عن الحكمة في تنكير الحياة،وعن سر العدول عن تعريفها ..
لكن هذا الباب في اللغة اللاتينية موصد،غير معقول!!
لأن هذه اللغة خالية من أداة التعريف، ومن ثم يكون أهلها مجبرين على الإتيان بالأسماء نكرات. فهل يعقل أن يسأل اللاتيني عن النكتة البلاغية في نكرة استعملها في كلامه وهي مفروضة عليه فرضا!!
البلاغة إذن لا تنفك عن الحرية…ومن هنا سر تلك الثنائيات في أبواب البلاغة العربية:التقديم والتأخير،الحقيقة والمجاز، التنكير والتعريف، الإيجاز والإطناب، الحذف والذكر…وغيرها.
ثنائيات تؤشر على حرية المتكلم واختياره يجوز معها أن يقال: لم "قدم" وكان في وسعه أن" يؤخر"، ولم "حذف" وكان في إمكانه أن "يذكر "وهلم جرا ...
بعد هذه التوطئة نورد كلام ابن قتيبة من كتابه "مشكل القرآن":
"ولو قلنا للمنكر لقوله: جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ كيف كنت أنت قائلا في جدار رأيته على شفا انهيار:
رأيت جدارا ماذا؟
لم يجد بدا من أن يقول: جدارا يهم أن ينقض، أو يكاد أن ينقض، أو يقارب أن ينقض ... وأيا ما قال فقد جعله فاعلا، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم إلا بمثل هذه الألفاظ ... "
هذا إرغام للطاعنين على الاعتراف بمقبولية مثل قوله تعالى "جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ" فهذا التعبير ليس صحيحا فقط-بشهادة ما يتصف به اللسان العربي من توسع بالمجاز وغيره- ولكنه فوق ذلك ضروري .. فمن حكم بتخطئة العبارة لا يستطيع لها تصحيحا، فاللغة لا تسعفه بشيء إلا وفيه إسناد الفاعلية للجدار،وهو ما يفر منه .. !
إن كان له خيار في أمره فهو بين أن يصمت أو يتكلم، وإذا تكلم فلا بد أن "يفعّل" الجدار ... !!
هذا قدر عام للغات البشرية كلها حسب ابن قتيبة،وهو رأي لا يجادل في صحته ... !!
لكن الشاهد عندنا في حجاج ابن قتيبة هو مسألة "المجاز القسري" ...
فما الفرق بينه وبين الحقيقة؟
وما قيمته البلاغية وهو من معدن الاضطرار؟
وهل يمكن إجراء المجاز فيه كما تجرى الاستعارة في "رأيت الأسد يرمي؟
من المؤسف أن البيانيين لم يستثمروا نص العلامة ابن قتيبة وإلا لكان في البلاغة العربية نوع من المجاز جديد هو "المجاز القسري" -باصطلاحنا – وهو ما يضاهي La catachrèse في البلاغة الغربية ..
Katakhrêsis تعني في الاغريقية القديمة "الاستعمال" وتعني في اصطلاحهم البلاغي"استعمال شَاطٌّ " أو"استعمال سيء":
عرفها الفرنسي Fontanier في كتابه المشهور صور الخطاب:
أنها تتمثل عموما في لفظ كان قد عين من قبل للدلالة على معنى، فيعين ثانية للدلالة على معنى جديد لم يكن له في اللغة لفظ خاص دال عليه .. فهي إذن كل صورة بلاغية ذات استعمال قسري وضروري ..
وهو تعريف شبيه بما ذكره الرومي كانتليان Quintilien من قبل:
"في اليونانية واللاتينية أشياء كثيرة لم توضع لها في البداية ألفاظ وأسماء مخصوصة، فيستعان بالمجاز القسري عند افتقار اللغة إلى ألفاظ مخصوصة عكس الاستعارة التي تقع عند وجودها ..
¥