صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ فَقَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ فَقَالَ فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي فَقَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ قَالَ فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ ..
-روى الدارمي وغيره:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُّ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ قَبْلَ أَنْ يُجْعَلَ الْمِنْبَرُ، فَلَمَّا جُعِلَ الْمِنْبَرُ حَنَّ ذَلِكَ الْجِذْعُ حَتَّى سَمِعْنَا حَنِينَهُ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَدَهُ عَلَيْهِ فَسَكَنَ.
هذه واقعة خارج اللغة لا يعقل أن تؤول .. فقد صدر عن الجذع صوت عبر عنه السامعون بسليقتهم اللغوية بلفظ"حنين" ومن التهافت أن يقال أنه لم يصدر عنه صوت مسموع بل نزلوه منزلة الناقة فقط على طريقة الاستعارة التبعية المكنية!!
لا نحتاج إلى استقراء مزيد من الشواهد .. فحسبنا الأصل الكلي، والأصل في كل هذا هو قوله تعالى:
{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]
إعمال التأويل في كل هذه النصوص من الباطل المبين،لاسيما وأن بعضها تحكي وقائع مسموعة مرئية كحادثة حنين الجذع وكلام الذئب، وإنما المجاز يكون في اللغة لا في الوقائع ..
وقد يقال إن هذه الوقائع معجزات ..
قال الشيخ النووي في شرح مسلم:
قَوْله: (آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَة)
هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَجْعَل فِيمَا يَشَاء مِنْ الْجَمَاد تَمْيِيزًا وَنَظِيره قَوْل اللَّه تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِط مِنْ خَشْيَة اللَّه} وَقَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحهمْ} وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي لَأَعْرِف حَجَرًا بِمَكَّة كَانَ يُسَلِّم عَلَيَّ " وَحَدِيث الشَّجَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَتَتَاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي آخِر الْكِتَاب، وَحَدِيث حَنِين الْجِذْع، وَتَسْبِيح الطَّعَام، وَفِرَار حَجَر مُوسَى بِثَوْبِهِ، وَرُجْعَان حِرَاء وَأُحُد. وَاَللَّه أَعْلَم.
قوله " يَجْعَل " قد يشعر بأن تلك المذكورات من الخوارق المؤقتة لكن ظاهر الآية
{وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحهمْ} يفيد أن التسبيح -وهو فعلٌ عاقل- ثابت لكل شيء فهو "عادي"،أما خرق العادة فهو في الشق الثاني من الآية أي في فقه التسبيح ... وبناء عليه لا تكون المعجزة في كلام النملة بل في فهم سليمان عنها، ولا تكون في حنين الجذع بل في سماع الصحابة ذلك ..
جامع الأمر كله أن النصوص تثبت للحيوان "عقلا"،وللجماد "حسا"، ومدعي المجاز في هذا المقام مطالب بنصب القرينة .. وأنى له بقرينة:
-أما عقلية فلأن أساطين الفلسفة مثل (كانط) وغيره قد برهنوا على أن العقل ليس في وسعه إلا إدراك "ظاهر الشيء" أما "الشيء في ذاته "فهو خفي عن المدارك إلى الأبد ... وما كنا لنقبل قول الفيلسوف كانط ناقد العقل لولا أنه وافق آية في كتاب الله: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ..
-وأما حسية فلإن العلم الحديث قد أثبت أن صفات الظاهر من الأشياء المادية قد تكون ضد صفات باطنها: فما نراه امتلاء فهو فراغ وما ندركه ثباتا فهو حركة وما نلمسه من صلابة فهو تموج الخ!!
-وأما شرعية فلأن النصوص التي أوردناها تثبت حقائق خفية عن المخلوقات، لا يمكن الوصول إليها بحس أو عقل ... وتأويلها كلها يفضي إلى سد باب هو الوحيد الذي يفضي إلى معرفة بطبائع الأشياء وحقائقها ... وارتكاب المجاز هنا خرق للبلاغة نفسها لأن المقام يتضمن مخاطبا خالي الذهن، جاهلا لحقيقة الشيء الباطنة،فيكون المجازمن وسائل البلبلة لا من وجوه البيات فتأمله!
فمن ادعى أن الجدار لا إرادة له ,يسأل عن مبلغ علمه ..
ومن ادعى أن السماء والأرض لم تتكلما مع الله حقيقة فعليه أن يثبت أنه عالم بأحوال المخلوقات مع خالقها، فلا الله قادر على إنطاقها، ولا هي من طبعها الكلام!!!
وللكلام بقية إن شاء الله .. مناسبته ما قاله ابن فتيبة عن إسناد فعل الارادة إلى الجدار .. وستطلع على نوع من المجاز لم يتعرض له علم البيان العربي نسميه المجاز الاضطراري .. وهو واقع تحت اسم catachrèse في بلاغة الغرب الموروثة عن اليونان والرومان.
¥