ملتقي اهل اللغه (صفحة 2662)

ففي جميع اللغات يمكن أن تأتي لحظات افتقار إلى ألفاظ للدلالة على أفكار أو أشياء جديدة .. فيضطر الاستعمال اللغوي الشائع إلى تعيين كلمات متوفرة للدلالة على هذا الجديد ... وإنما يفعلون ذلك رغبة في تقليص حجم المعجم وتيسيرا على الذاكرة"

وزعم شيشرون Cicéron- بعد اعترافه بالطابع الاضطراري لهذه الظاهرة - أنه يمكن أن تقترن بالتأنق والمتعة البلاغية، فيرى في" الكتكريز" ما يراه في الثياب: صحيح إن الثوب قد أوجدته الضرورة لحماية الجسم من القر والحر، لكن هذا لا يمنع من أن يعتبر أيضا من مظاهر البذخ والزخرفة ..

لكن الحق إن التأنق والزخرفة يعرضان للثوب لما فيه اختيار من تفضيل لون على لون أو شكل على شكل ولكن مبدأ اتخاذ اللباس لحماية الجسد لا جمالية فيه .. فلا يقدح هذا في مسلمتنا عن تلازم الحرية والبلاغة ..

"إرادة الجدار" مثل "رجل الطاولة" أو" عين الإبرة" ضرائر في التعبير مفروضة على أي متكلم .. المجازات-إن كانت كذلك- فهي قسرية، فليس في العربية لفظ موضوع للدلالة على ذلك الجزء الذي "تقف" عليه الطاولة .. وليس فيها لفظ يدل على ثقب الإبرة بخصوصه .. وكلمة ثقب نفسها لا تفي بالغرض بسبب الاشتراك المعنوي والتباس الدلالة فقديراد بالثقب الحاصل من الإبرة باعتبارها آلة كما قد يراد به الحاصل فيها باعتبارها هيئة ولذا لا مفر من عين الإبرة الدالة على محل الخيط قطعا ..

الأشبه أن تكون "الرجل" و"الارادة" و"العين "أوضاعا جديدة فهي على حقائقها كما في ظاهرة الاشتراك ..

فإن قلت هنا استعارات لوجود علاقة مشابهة بين رجل الإنسان ورجل الطاولة (من حيث الشكل ومن حيث الوظيفة) ولوجود الاستدارة صفة مشتركة بين عين الرجل وعين الإبرة ..

قلنا نحن في مقام الوضع لا في مقام الاستعمال .. وللواضع أن يلاحظ أثناء مسار الوضع ما شاء من تناسب بين المعاني والأشياء، فهذا لا يخرجه عن مقام الوضع ومنتهى عمله إيجاد لفظ له معنى ... فإن استعمل اللفظ في هذا المعنى فحقيقة وإن استعمل في غيره فمجاز ...

فإذا أصر مدعي المجاز على وجود الاستعارة في قوله تعالى "جدارا يريد أن ينقض" فلن يستفيد شيئا ذا بال ... لأن غاية ما سيظفر به هو "استعارة غير مفيدة " كما قررها الشيخ في" أسرار البلاغة" .. ولنا حديث ثالث وأخير في المقام مداره على فائدة الاستعارة إن شاء الله.

ـ[أبو الأزهر]ــــــــ[05 - 12 - 2010, 10:26 م]ـ

الأستاذ الفاضل أبو عبد المعزِّ - سلمه الله وجزاه كل خير- ..

بانتظار الحلْقة الثالثة من الموضوع الماتع النافع المطرب؛ فعلينا لا تُطِل -يرحمك الله- ..

طور بواسطة نورين ميديا © 2015